النقد أسلوبٌ بنَّاءٌ، وأداةٌ فعّالةٌ في تقويم عملٍ معيّنٍ، سواءٌ بالحكم عليه بالسلب أو الإيجاب.
فنحن بالنقد نشكر المحسن في عمله، مبينين أهمية عمله، وننصح للمخطئ مبينين له موضع الخطأ ومكمن الخلل، والنقد ظاهرة بنّاءة تجعل الأعمال تسير في الاتجاه الصحيح.
ولقد امتدح الله المؤمنين الذين يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر في كتابه العزيز في سورة العصر، واستثناهم من فئة الخاسرين: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ (العصر).
وحديثنا يتناول النقد بين فئتين متلازمتين في العيش فترةً طويلةً يربط بينهما ودٌّ ورَحمٌ، وهذا الرباط تلفّه مسئولياتٌ وواجباتٌ، وحقوقٌ والتزاماتٌ، وهاتان الفئتان هما الآباء والأبناء.
وحتى يكون الموضوع واضحًا أبدأ بتصوير بيتٍ قد اقترب أهله من الصواب، ثمَّ انتقل إلى بيتٍ آخر لنرى في تصويره مجانبة الصواب، "وبضدّها تتبين الأشياء"، كما قالت العرب في أمثالها.
في النوع الأول من البيوت يعيش الآباء على أمل تربية الأبناء حتى يبلغوا أشدهم، وهم يراعون أحوال أبنائهم النفسية والجسمية، والعقلية والاجتماعية، وكل أبٍ يحاول أن يجعل ابنه أفضل منه؛ فيحاول أن يعطيَه من خبرته بدافعٍ فطريٍّ محفوفٍ بفكرٍ؛ حيث يدعم هدفه بتخطيطٍ وتنفيذٍ لما خطط وتعديلٍ لما لم يثبت نفعه.
وهذه الخطة تُرسَم بالتعاون والتشاور مع الزوجة؛ حيث يضع الآباء هدفًا بعيدَ المرمى، تؤدي إليه أهدافٌ صغيرةٌ تتحقق يوميًّا أو أسبوعيًّا، أو شهريًّا أو سنويًّا، ويبقى الأبناء في طفولتهم يُصغون ويسمعون ويختزنون من المعلومات بفضل ما مكنهم به ربهم من سمعٍ وبصرٍ وفؤادٍ، وكلما كانت طريقة الوالدين ناجحةً في التواصل مع الأبناء استطاعا متابعة التواصل عبر المراحل العمرية التي يعيشها الأبناء.
وأدوات هذا التواصل الحوار والمحبة، ونقل المعرفة واكتشاف المواهب، وتمكين الأولاد من الاختيار والشعور بأهمية الذات، واكتساب شخصيةٍ قويةٍ تثبت على المبدأ، وتتمكن من السيطرة على النزعات السيئة، وتكتسب جميل الصفات.
عندها ينتقل الأبناء من مرحلة الطفولة إلى الشباب بانسيابٍ، ينظرون بامتنانٍ إلى ما قدّمه الأبوان، وينتقدون ما لا يرونه مناسبًا، والآباء يتقبلون النقد بصدرٍ رحْبٍ ويناقشون في كل أمرٍ؛ لتكون الغلبة للفكرة البنَّاءة والصحيحة التي يقرّها الآباء والأبناء، وتبقى علاقة المودّة وتبادل الآراء قائمةً دون أيَّة مشكلة.
هذه صورةٌ مشرقةٌ لبيتٍ أفراده متفاهمون متناصحون على وعيٍ ودرايةٍ، والنتائج لديهم مُشرّفةٌ: تواصلٌ دون قهرٍ أو إلزامٍ، وتبادلٌ للمعارف يضمن أن تبقى قنوات الاتصال مفتوحةً ليعلم كل جيلٍ ما عند الآخر.
أما الصورة المقابلة فهي لبيتٍ لا يشترك فيه الأبوان في طريقة التربية، بل كلٌّ يربي على طريقته، ولا يرضى فيه الأبوان إلا صورةً نمطيةً منهما لأبنائهما، فإذا وجدوا ما يخالفها قاما بتقويمها بالقسر والقوة، فينشأ عن ذلك تحدي الأبناء، وينشطون في النقد فتزداد قسوة الآباء ويرون أن هذا عدم تربية، وأنهم واقعون في مشكلة، ويزداد ازورار كل طرفٍ عن الآخر، ولا يفهم كل منهما ما يريده الآخر، وتنقطع صلة الآباء بما يعايشه الأبناء، والأبناء يرفضون كل ما يوعظون به؛ لأنَّ العلاقة أصبحت تحديًا مشوبًا بالعناد من الطرفين، والشحناء والبغضاء تقلب الحياة إلى أجواءٍ مَقيتةٍ، فيصبح كل طرفٍ لا يتحمّل الآخر، وقد يولّد هذا مشاكل عند الوالدين، ويصبح البيت مشحونًا بالخلاف، وكل فرد فيه يرى الخلاص والراحة خارجه، ولهذا نتائج غير مُرضيةٍ.
إنَّ حسن الصحبة يقتضي أن يفهم الآباء طبيعة المرحلة العمرية للأبناء، وأن يتعاون الأبوان في أمور التربية، وأن يعلم الأبوان أن لكل جيلٍ معطياتٍ، وأن أمور الاستجابة لمعطيات العصر أمرٌ يشد الأبناء، فعلى الآباء ترشيد هذه الاستجابة بما يضمن المعاصرة مع الاحتفاظ بالأصالة.