"البنت زي الولد".. كلمة حق يُراد بها باطل، فرحة غامرة تملأ قلوب الآباء والأمهات عندما يُبشَّرون بميلاد طفلٍ جديدٍ لهم ذكرًا كان أو أنثى، الكل سواء، وحقًّا إنهم زينة الدنيا وبهجتها، والكل يحلم أن يُنعم الله عليه بالإناث والذكور فيربيهم أحسن تربية، ولكن ليس الكل يعلم أن هناك اختلافاتٍ جوهريةً في طفولة وتربية كلٍّ من الإناث والذكور، ولا بد من التعامل معهم على هذا الأساس الذي أقرَّه الشرع والطب وعلم النفس، فعندها تصبح البنت غير الولد.
تحكي لنا زكية أيمن- أم لذكور وإناث- عن ابنتها صفاء (9 سنوات) التي تسألها أسئلةً كثيرةً عن كلِّ شيءٍ في مجالات الحياة المختلفة، وليس ذلك ما يُثير دهشتها، ولكن سبب دهشتها عند عثورها على كراسةٍ خاصةٍ بابنتها تكتب فيها كل الأسئلة التي امتنعت الأم عن الإجابة عنها أو وعدتها بالبحث لها عن إجابة، ففكرت البنت في كتابتها حتى لا تنساها وتُذكِّر أمها بها دائمًا.
وهذا هو مصعب كمال (4 سنوات) تحكي لنا أمه معلمة القرآن عن طالبة جاءت لتأخذ الدرس في البيت، فوقف أمامها مصعب صامتًا وسأل أمه: "أهذه بنات يا أمي؟" أخبرته الأم: "نعم يا مصعب" فسألتها الطالبةُ: "لماذا تعجَّب هكذا عند رؤيتي؟"، فقالت الأم: "لأنه يُربَّى هو وأخوه تربيةً منفصلةً تمامًا عنه الإناث من أقاربه وجيرانه، حتى الحضانة لا يذهب إليها"!!.
والتساؤل الآن.. هل كانت أم مصعب على حق؟ هذا ما سألناه للمتخصصين.
قيم مرتبطة بالنوع
يقول د. محمد يوسف المدرس بقسم الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر: إنه بصفةٍ عامةٍ لا توجد ضوابط شرعية خاصة بالاختلاف بين طفولةِ الذكور والإناث، ولكن هناك قيم مرتبطة بنوعٍ أكثر من الآخر؛ فمثلاً الإناث يجب أن يتعلَّمن الحياء والعفة وخفض الصوت والتعود على الصلاة بالحجابِ مع مراعاة الوسطية والاعتدال من غير إفراطٍ ولا تفريط، أما الذكور فمهمة الأب أن يغرس في ولده معانيَ الرجولة والشهامة، ويصطحبه إلى المسجد ليعلِّمه صلاة الجماعة ويأخذه إلى جلسات أصدقائه ليتعلَّم آداب الحديث، ويعلِّمه الاندماج في المجتمع؛ يحكي له عن شجاعةِ الصحابة وقصص الأنبياء والتابعين.
وعن المعنى الشرعي لجملة "البنت زي الولد"، قال د. محمد يوسف: إنها عُملة بوجهين؛ وجهها الأول حقيقي؛ حيث إنهم متساوون في التكاليف والجزاء والحقوق، فيقول صلى الله عليه وسلم: "النساء شقائق الرجال".
وعلى الناحية الأخرى فهناك اختلاف من حيث الطبيعة الجسدية؛ فلهن مسئوليات تختلف عن مسئوليات الرجال (اعتبار ما سيكون)، فمثلاً الرجل مُكلَّف بالجهاد، بينما المرأة لها الحرية في المشاركة فيه أو عدمه، وكذلك في الكثير من نواحي الحياة.
وأكَّد أهمية أن نغرس في بناتنا منذ الصغر أنهن إماء الله؛ خُلقوا للعبوديةِ، وعليهن مسئوليات خاصة بالتربية والزواج بشكلٍ تدريجي حسب المراحل السنية لهنَّ، وأن الله بثَّ فيهنَّ معانيَ الرحمة والأمومة لهذه الأغراض؛ لأن ذلك يُحصنهن ضد الغزو الثقافي وعوامل التغريب المتدفق من وسائل الإعلام والشارع والمدرسة والأصدقاء، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل راعٍ عمَّا استرعاه؛ حفظ أم ضيَّع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته".
الاختلاط
وعندما سألناه عن الاختلاط في السن الصغيرة بين الذكور والإناث فأجاب أنه لا توجد موانع شرعية لذلك، ولكن يجب أن نُعلِّمهم أن الذكور تلعب مع الذكور، والإناث مع الإناث، ولكن التعامل العادي لا شيء فيه، ويشرح لنا حديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: "علِّموا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع"؛ لمعرفةِ النبي- صلى الله عليه وسلم- بعمليةِ النمو الجنسي التي تبدأ في مثل هذا العمر على الجانبين من الذكور والإناث؛ حيث يجب التفرقة بين الذكور وبعضهم والإناث وبعضهن، ويمكن أن نُعلِّمهم أسباب التفرقةِ بصورةٍ علميةٍ مغلفةٍ بمعلومةٍ دينيةٍ، وهذا ما نُطبِّقه في مناهج الأزهر؛ حيث نبدأ في بثِّ هذه المعلوماتِ في مادة الفقه عن طريق كيفية الاغتسال وموجباته، وما هي النجاسة والطهارة، وهكذا.. وإذا أخذت التنشئة هذه الصورة التدريجية نتفادى حدوث المشاكل والتمرد من الأولاد.
اختلاف نفسي
ويؤكِّد د. حاتم آدم اختلافَ نفسية الذكر عن الأنثى اختلافًا "جينيًّا" وكيميائيًّا وسلوكيًّا؛ فمثلاً الذكر بطبيعته أكثر ميولاً للعدوانية، بينما الأنثى أكثر عاطفيةً منه، ومن الخطأ الفادح تربيتهم تربيةً مشتركةً، وخاصةً في الفترة من 3: 6 سنوات؛ نظرًا لأنها فترة حساسة تتحدد فيها الهوية الذاتية للإنسان، وإذا لم تتحدد بوضوحٍ يؤدي ذلك إلى غموض وحيرة أثناء فترة المراهقة، ويتوَّلد سؤال مُلحٌّ على نفسية المراهق: "مَن أنا؟" فإذا لم يجد إجابةً عن تساؤله يُصاب بحالةٍ من التخبط، وتبدأ المشكلات النفسية، والتي يكون حلُّها في مرحلة التقمص عندما يرى الذكر نموذجًا ذَكَريًّا أمام عينيه لينأى بنفسه عن التخبط.
وفي رأيه يرى أن شعار "البنت زي الولد" هي كلمة حق أُريد بها باطل؛ فتساويهما يكون في الحقوق، مثل: التعليم والختان والإنفاق؛ بل إن الأنثى تتميز بأن والدها أو زوجها أو أخوها يتولى مسئولية الإنفاق عليها، ويتجلَّى دور الأسرة بدءًا من سنِّ الثالثة؛ حيث يبدأ الطفل في طرح الأسئلة والبحث لها عن إجابة، وأفضل الطرق لإقناع الأطفال هو الإجابة البسيطة الصادقة على تساؤلاتهم.
ومَن أشهر التساؤلات على ألسنتهم "أنا جيت إزاي؟" فلتجبْ الأم عليه بالآتي: "بعد الزواج أمر الله تعالى بوضعكِ في بطني بداخل كيسٍ صغيرٍ تغذَّيت من خلاله، ثم أخرجتك الطبيبة من فتحة أسفل البطن"، وعندما يسكت الطفل اعلمي أنه تشبَّع بالإجابةِ، ولا تزيدي عليه بالكلام، ولكن الكذب والتهرب من أسئلته يُرسِّخ في ذهنه صورةً مغلوطةً تُفقده الثقة فيمَن حوله.
وحول الفرق بين البنت والولد يقول: ركِّزي على النقاط الظاهرة أمامه؛ فمثلاً البنت تلبس "جيبة" والولد يلبس "بنطلونًا"، ولسببٍ ما سيتعرَّض لرؤيةِ الجهاز التناسلي عند النوع الآخر، وهنا اشرحي له هذا الجهاز ووظيفته بشكلٍ بسيط، وأخبريه أنه خارجي عند الذكر، وأبدله الله بكيسٍ داخل بطن الأنثى تحتفظ فيه بالأولاد عندما تكبر، وهكذا.
وعلِّمي ابنتك أن جسمها غالٍ لا يجب أن يلمسه أحد، وعلِّميها الاحتشام في القول حتى لا تقع مطمعًا للآخرين، وهكذا، وانتبهي عندما يصل ولدك- ذكرًا كان أو أنثى- إلى سنِّ الحادية عشرة يجب أن يكون لديه علمٌ كافٍ عن جسمه، ويُفضَّل أن تتولَّى الأم مسئولية ابنتها الأنثى، وأن يتولَّى الأب مسئولية الذكر، وخذي بيد أولادكِ وكوني مبادرةً، وليكن بيدك لا بيد عمرو؛ حتى لا يقع أولادنا فريسةً لمعلوماتٍ مغلوطةٍ مصادرها غامضة، ونندم بعدها كثيرًا.