عندما تصبح القضايا القومية المصنوعة للبلاد الإسلامية ملءَ السمع والبصر، فلا نرى غيرها ولا يتحدث الإعلام إلا حولها، فيبحث عن حالات وحوادث ليدعمَها ويزيدَ اقتناع الناس بها، فتفقد القومية معناها، ويدور الناس في الفلك المصنوع!.
ما الذي يجعل الجهات القومية الخاصة بالطفل تعمل في هذا الفلك؟ وما الذي يجعل الإعلام يتبعها؟ هل هي قضايا محلية بالفعل أم هي عربية؟ وما الذي جعلها قومية فجأةً؟! عندها يبدأ البحث عن بدور.. الطفلة التي أجرت لها طبيبة عملية ختان وتُوفِّيت متأثرةً بحقنة المخدِّر؛ هذه حالة لعب عليها الإعلامُ لتدعيم قضاياه المستورَدة ضِمْنَ أجندة دولية مخططة؛ اعتقادًا منه أن ذلك سيكسر حاجز الصمت الرهيب حول الموضوعات الجنسية في بيئة ما زال الحياء حيًّا فيها ولم يمت.
"أنتم مأمورون هذا العام بالعمل من أجل الطفلة وما يلحق بها من المخاطر التي حدَّدناها، وفي العام القادم ستأتون إلينا بأوراقكم ونتائج أبحاثكم، ونماذج من بلدكم تدعم مواثيقنا، وتغيُّرات في قوانين بلدكم، ويا حبَّذا لو أشركتم رجال الدين، فهو أدعم وأفعل، ليبدو التغيُّر من الداخل، بأيديكم لا بأيدي غيركم".
ربما تكون هذه الرسالة غير محددة المصدر ولا المستقبل، ولكنها كاشفة وتنطق بها الأحداث حولنا، وبنظرة إلى القضايا التي يتم تفعيلها ستجد أنها: اغتصابٌ، ومواليد غير شرعيين، وبدون نسب، وعنف ضد الطفلة، وختان الإناث، والثقافة الجنسية، وعندما تبحث عن الآليات ستجد أنها تعمل في هذا الفلك والإطار، فكم من رسائل هاتفية تأتي لخط نجدة الطفل، وما هي المشكلات التي يتصدَّى لها؟!
لقد صرَّحت إحدى المسئولات في المرأة والطفل أن ثلاثة اتصالات فقط خاصة بالاغتصاب من ضمن مئات الاتصالات الأخرى استقبلها الخط في الفترة السابقة (برنامج 90 دقيقة، قناة المحور، بتاريخ 14/7)، وأعربت عن عدم وجود إحصاءات بشأن هذه القضايا يمكن الاعتماد عليها، فيتم العمل من خلال هذه الحالات ولو كانت قليلة؛ باعتبارها حالاتٍ موجودةً بالفعل ولا أحدَ يستطيع إنكارَها.
وكان لأحد ساكني المعادي خبرةٌ في هذا الموضوع؛ حيث قام بتكرار الإبلاغ عن طفل تعتدي عليه امرأة في العمارة المجاورة له بالضرب على مدار ساعات، ولم يحرِّك اتصالُه بخط نجدة الطفل ساكنًا، فما كان عليه إلا الإبلاغ عن الحادث في قسم شرطة زهراء المعادي (محضر رقم 23365، تاريخ 3/7)، وللأسف لا نفع هذا ولا ذاك.
فقلت له لقد كان حظُّه سيئًا، لقد كان طفلاً وليس طفلة، ولم يكن المعتدي رجلاً، وكانت لي تجربة في مؤتمر الشارقة للمرأة في إحدى الجلسات؛ حيث قابلت أحد الموظفين المتخصصين في المرأة والطفل، وجرى حديثٌ حول الخط الساخن وفاعليته في الدول النامية، فأخبرني أن هذا الخط للطفل خاصةً، ولكن ما زال المجتمع العربي غيرَ مقتنع به، فقد كانت أول مكالمة جاءت للخط الساخن من والدة تشتكي ابنها، فقلت له لماذا لا توجِّهون الدعم المادي للأسرة لحلِّ مشاكلها؟! فكان ردُّه أنه لا يعمل في هذا الإطار رغم اقتناعه بأنه الأصحُّ والأكثرُ فائدةً للجميع.
وكان لي لقاء مع عضو من أعضاء إحدى الجمعيات الأهلية في مصر وسألته عن أنشطة الجمعية، فحكى تاريخها وكيف كانت البداية لإصلاح المجتمع المحلي نابعةً فعلاً من قضاياه؛ مثل التلوث والإنتاج والعِمالة، ولكن أصبح الاهتمام الآن بقضايا المرأة المحدَّدة، والتي يتلقَّون دعمًا ماديًّا من أجل تفعيلها والعمل في نطاقها، ومنها قضايا الصحة الإنجابية، والتي يطالبون سنويًّا بتقديم تقرير حول ما تم من إنجازه بشأنها.
ويأتي موضوع ختان الإناث ترجمةً فعليةً لهذه القضايا المفروضة، والذي اختلف الفقهاء بشأنه؛ لعدم وجود دليل صحيح من الأحاديث يدلُّ على الوجوب أو السنية بالنسبة للإناث.
واختلف المجتمع الدولي نفسه حول المصطلح؛ فمعارضوه يميلون لاستخدام مصطلح تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، وبتر الأنثى، ولكننا في الدول العربية استخدم مؤيدو القوانين الدولية مصطلح "ختان الإناث"، واستخدموا الإعلام بقوة من أجل الوصول من خلاله إلى رفض تشريعي وقانوني ومجتمعي له، ونجح الإعلام في الوصول إلى تحريم فقهي للختان من خلال برنامج مدته (90 دقيقة)، على الرغم من معارضة بعض علماء الدين تحريمه؛ لعدم وجود نص صريح بالتحريم، وهو ما يمهِّد الطريق بسهولة إلى قبول تعديلات قانون الطفل الخاصة بتجريم وتحريم الختان بشتى صوره.
وبالنظر لهذا الأمر دوليًّا، نجد أنه وفي عام 1991 أوصت منظمة الصحة العالمية بأن تتبنَّى الأمم المتحدة هذه المصطلحات؛ مما أدى إلى استخدامها على نطاق واسع في وثائق الأمم المتحدة، كما أن منظمة العفو الدولية ومنظمة الصحة العالمية تُشير في أغلب الأحيان بالنسبة لموضوع ممارسة ختان الإناث إلى أن استخدام كلمة "أنثى" يعزِّز فكرة أن الختان يشكِّل انتهاكًا لحقوق الإنسان بما فيها من نساء وفتيات.
وفي عام 1991 دعت الأمم المتحدة إلى عدم اللباقة والصبر بخصوص هذه الأنشطة، وعلى المستوى العربي نجد الانجراف داخل هذه المصطلحات والعمل من خلالها من أجل الاندماج في المجتمع الدولي، بحلوه ومرّه، ولِمَ لا؛ فالبحث عن القضايا القومية الحقيقية والواقعية يُظهر قصور الدولة وضعفها أمام مواجهة التحديات، فمن لديه الجرأة على إظهار عدم كفاءته في مواجهة مشكلات بلده مثل المياه الملوثة، وانخفاض دخل الفرد، وفشل المؤسسات التعليمية، وضعف الإنتاج المحلي، وانتشار الأمراض كمرض الكبد الوبائي، وضعف الخدمات العامة، والبطالة، والعشوائيات.. وغيرها؟!
فإحصاءات هذه القضايا دُفنت على الأرفف ليأكلها التراب، قام بها آلاف الباحثين المحترمون، ونالوا بها الدرجات العلمية ليكتفوا بها فخرًا.
إن القضايا القومية للبلاد العربية والإسلامية يجب أن تنبثق من دراسات حقيقية وموضوعية ومحترمة، يتبعها جهات تنفيذية قومية تهدف لتنمية المجتمع بجميع فئاته وطبقاته.
---------
* كلية الإعلام جامعة 6 أكتوبر.