- التربية الفنية منهج إسلامي لتنمية المواهب

- تنمية الإحساس بالجمال يدعم البناء النفسي للطفل

 

حوار- هدى سيد:

يؤكد خبراء النفس والاجتماع أن التربية الفنية جزءٌ من منظومة التربية المتكاملة التي ينبغي أن ينشأ عليها الطفل منذ الصغر، وتعدُّ جزءًا أساسيًّا من شخصيته وتكوينه.

 

كذلك يرى علماء الإسلام أنها تكتمل مع التربية الدينية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والبيئية وغيرها، مشيرين إلى اهتمام الخالق سبحانه بتلك التربية بدعواته المتكررة للتفكُّر والنظر في خلقه وإبداعه.

 

 الصورة غير متاحة

 الفنان/ عصام الشرقاوي

وتلفت الدراسات النفسية إلى أهمية التربية الفنية والجمالية للطفل منذ الصغر؛ إذ إن الطفل يمتلك بفطرته ملكات وميولاً إبداعيةً وابتكارية، تنمو وتزدهر إذا وجدت البيئة المناسبة والدعم المستمر.

 

لذا كان لنا هذا الحوار مع رسام الكاريكاتير والفنان عصام الشرقاوي؛ ليبين لنا أهمية التربية الفنية وأهميتها في خلق نوع من التناسق والتناغم بين الطفل والكون من حوله، وفوائدها في الارتقاء بالحس الذوقي والجمالي لدى الطفل وتزكية روحه؛ للبحث عن كلِّ ما هو جميل في القول والفعل والتفكير والسلوك، فإلى نص الحوار:

 

شخصية متكاملة

* بدايةً نودُّ التعرف على أهمية التربية الفنية والجمالية في تكوين شخصية الطفل.

** التربية الفنية والجمالية ذات أهمية كبيرة في بناء الطفل النفسي منذ اللحظات الأولى لاستيعابه وإدراكه للأشياء، فالإنسان بفطرته مجبولٌ على حبِّ الجمال والتمتع به، وما يُعاكس ذلك لاحقًا يكون بسبب تربية البيئة التي ينشأ فيها الطفل.

 

فلو تعوَّد الطفل على الترتيب والنظام وخلقت الأسرة حوله جوًّا من الجمال انعكس ذلك عليه نفسيًّا بنسبة كبيرة، وتناغم ذلك مع الفطرة التي فطره الله عليها، والله جميل يحب الجمال، وقد خلق الأشياء من حولنا وأبدعها بصورة غاية في الجمال والنظام الإلهي البديع؛ بقصد التمتع والتفكر، وقال تعالى ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ (الأنعام: من الآية 99).

 

فالتربية الفنية والجمالية للطفل تدفعه إلى التفكر وإعمال العقل في الإبداع، أما إذا حُرم الطفل منها فلن يلفت الجمال نظره ولن يشعر به، فضلاً على أن يؤثر فيه.

 

* وكيف تسهم التربية الفنية والجمالية في تطوير مهارات وإمكانيات الطفل؟

** تسهم التربية الفنية في تطوير مهارات وإمكانيات الطفل بشكل كبير؛ حيث يتعود الطفل منذ الصغر على التفرقة بين الألوان وملمس الأشياء والتكوينات الفنية، وكل ذلك يساعد في صقل مهارات وإظهار مواهب الطفل، بل وتنمية ذكائه وعقله بصورة كبيرة.

 

وهذا يتضح في الفارق الكبير بين الطفل صاحب المهارة الفنية العالية الذي يتميز بالذكاء غالبًا واللمحة الفنية بفارق ملحوظ عن الثاني ذي المهارة المحدودة.

 

صقل الموهبة

* البعض يعرف التربية الفنية على أنها مادة الرسم، فهل تضم أنشطة أخرى كذلك؟

** نعم.. الرسم جزءٌ من بناء الطفل فنيًّا، ولكن التربية الفنية لا بد أن تكون شاملةً ومتكاملةً؛ حيث توجد فنون كثيرة أخرى تشملها التربية الفنية، مثل أعمال الجلد والمعادن والورق والكرتون والأشغال الخشبية والخزف والنحت، بالإضافة إلى الموسيقى وفنونها المختلفة أيضًا، وغير ذلك مما يصقل مهارات الطفل وقدراته بصورة رائعة.

 

ويختلف كلُّ فنٍّ عن الآخر في تعلمه وممارسته، فالرسم مثلاً يحتاج إلى موهبة من البداية تصقلها الدراسة، وكذلك بقية الفنون المذكورة يتم تنميتها بالممارسة مع الموهبة الفطرية  وتسهم بذلك في بناء الطفل فنيًّا ووجدانيًّا.

 

* اكتشاف مواهب أطفالنا.. مسئولية مَن؟

** إذا كانت الأسرة هي أول مَن يكتشف مواهب الصغار الفنية فهي ليست فقط المسئولة عن تطوير وتربية الطفل فنيًّا، فالأسرة تضع اللبنات الأولى في طفل ما قبل المدرسة، وهي تعرف وتحدِّد موهبة طفلها الفنية بميوله في اللعب، والأسرة مُكلَّفة في ذلك بتوفير ما يلزمه لتنمية موهبته من أوراق وألوان وغيرها.

 

ثم يأتي دور المدرسة التي تتلقَّى هذه الموهبة الفطرية وتعمل على دعمها وصقلها عن طريق الأنشطة الفنية والجمالية المتعددة التي لا بد من وضعها على قائمة الاهتمامات في المدرسة وممارستها فعليًّا.

 

ومن بعدهما دور المجتمع كله الذي يُسهم بشكلٍ كبير في ذلك بحرصه على النظام والنظافة، وإشاعة الجمال في كلِّ ما تقع عليه عين الطفل، أو تسمعه أذنه أو بالاختصار ما يتعامل معه بحواسه كلها.

 

أما إذا كانت البيئة حول الطفل لا تساعد على تذوق الجمال ولا تنشره فإن ذلك سوف ينعكس- بالتأكيد- على نفسية الطفل ويكون له مردوده السلبي على تربية الطفل وارتقائه فنيًّا وجماليًّا.

 

فالمدرسة ومؤسسات المجتمع الأخرى لها دورٌ كبيرٌ في التربية الفنية للطفل، ويتضح هذا في المدارس التي تهتم بهذه الأنشطة وممارسة الأطفال لها والمدارس الأخرى المتخمة بالمناهج فقط التي لا تسمح ظروفها بممارسة الطفل للأعمال والأنشطة الفنية، بل قد يتم إلغاء حصة التربية الفنية في أحيان كثيرة؛ ليحلَّ محلَّها تدريس مادة أخرى! فلا بد للمدرسة والمجتمع ككل من إعادة النظر في الاهتمام بتربية الطفل فنيًّا وجماليًّا.

 

التفكر بداية

* وما الوسائل التي يمكن استخدامها لتربية الأطفال فنيًّا وجماليًّا؟

** الوسائل التي يمكن استخدامها لتطوير وتنمية مواهب الطفل فنيًّا كثيرة ومتعددة، وأولها الطبيعة ذاتها من حول الطفل، والنظر في الكون والمخلوقات، وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم، تدعو إلى النظر والتفكر والتأمل في خلق الله عزَّ وجلَّ، والذي من شأنه إذكاء الروح، والارتقاء بالحس الذوقي لدى الطفل، ودعم الجانب الإيماني لديه، قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ (الغاشية).

 

ومنها أيضًا الصورة الفوتوغرافية أو المرسومة أو المطبوعة، بالإضافة إلى الوسائل التعليمية والأجهزة الحديثة، ومنها الكمبيوتر والبروجيكتور وغيرها.

 

وللوصول إلى نتائج جيدة مع الطفل لا بد من الاعتماد على النواحي التربوية الصحيحة والطرق العلمية المدروسة والمناسبة لسنِّ الطفل وقدراته ومهاراته في بداية تعليمه واستخدام هذه الطرق معه.

 

المسرح والسينما بشروط

* وبالنسبة لفنون مسرح وسينما الطفل هل تُسهم في تنمية مهاراته الفنية؟ وهل لها من سلبيات؟

** بالتأكيد لمسرح وسينما الطفل آثار إيجابية تُسهم في البداية في إبراز مواهب الطفل التمثيلية، وقدرته على تقمُّص الشخصيات المختلفة والتعبير عنها، وكذلك للطفل المتلقِّي للعروض المسرحية والسينمائية؛ حيث يندمج هو الآخر في الشخصيات المقدمة ويتفاعل معها بشكلٍ واضح، فهي ككل الصور لها أبلغ الأثر في تنمية خيال الطفل وتربية عقله وتوسيع مفاهيمه وقدراته الذهنية.

 

والتلفاز أيضًا كالمسرح والسينما من الممكن أن يكون له أثر إيجابي ودور فعَّال في حياة أطفالنا؛ بما يقدمه من برامج علمية وثقافية وتربوية مفيدة، وخاصةً أنه جهاز واسع الانتشار، ويحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة للغاية من الكبار والصغار على حدٍّ سواء.

 

ولكننا نشترط ترشيد مشاهدة التلفاز عند الطفل ومتابعة ما يتعرَّض له من برامج وأفلام؛ حتى لا يأتي بنتيجة عكسية ويؤثِّر في نظر الطفل وذكائه وقدراته العقلية والذهنية، ويكون ذلك بالرقابة المسئولة من الوالدين؛ وذلك لتلافي السلبيات التي يمكن أن تؤثر في أداء الأطفال الدراسي أو تفاعلهم الاجتماعي؛ وذلك بالاستغراق في الخيال وإضاعة الوقت إذا طغى على اهتمامات ومسئوليات أخرى.

 

الوسائل الإلكترونية

* وهل يمكن أن تساعد الوسائل الإلكترونية الحديثة في تنمية المواهب الفنية؟

** الوسائل الإلكترونية لها بعض الأثر في التربية الفنية التقليدية للطفل؛ حيث تساعد على تنمية قدراته وصقل مواهبه ولكن ليس بنفس الصورة، فالوسائل التقليدية قد تتفوق وتظل مطلوبةً في كثيرٍ من الفنون وهي الأساس في التكوين الفني الطبيعي للطفل.

 

كما تتسم الوسائل الإلكترونية ببعض الجمود والآلية، وتفتقد الإبداع كالوسائل التقليدية،  فالسجادة اليدوية مثلاً تختلف كثيرًا عن المصنوعة آليًّا من حيث الشكل والجمال والإتقان والسعر أيضًا، وهذا ينطبق على كلِّ المشغولات والأعمال الفنية اليدوية، أما إيجابياتها فهي تسهم في زيادة الإنتاج الفني وسرعته.

 

الفن والتربية الإيمانية

* هل يمكن استخدام التربية الفنية لتدعيم النواحي الإيمانية وتقويم سلوكيات أطفالنا؟

** بالطبع لا بد من استخدام التربية الفنية للطفل بشكلٍ واسعٍ في عملية التربية الإيمانية والوجدانية والاجتماعية، من خلال تعويده على حبِّ الجمال والنظام والترتيب والنظافة والتناسق، وينعكس ذلك بالطبع على سلوكه في الحياة وتعامله مع الأشياء والناس من حوله، وتساعده على الابتكار والإبداع، وكلها قيم تربوية جميلة تساعد على جعل سلوك الطفل قويمًا وسويًّا ودعويًّا؛ باستخدامها في المعارض والصور والرسوم التي تحض على عمل الخير، والتواصل مع أفراد المجتمع بل وأفراد الأمة بأسرها.

 

وعلى سبيل المثال التفاعل مع القضية الفلسطينية والدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية، فعن طريق الصورة واللافتة واللوحة الفنية والعروض المسرحية والتمثيلية والإنشادية والموسيقية المختلفة يتضاعف اهتمام وتفاعل الطفل مع هذه القضايا وفهمها بالشكل المطلوب.

 

ويمكن استخدام هذه الوسائل اجتماعيًّا من خلال الحضِّ على أبواب الخير والبر والإحسان والسلوك الاجتماعي السليم والتواصل مع المجتمع بما يعود عليه بالخير، ويرسِّخ هذه القيم والمعاني الإسلامية والإنسانية عند الطفل.

 

ومن الطبيعي أن يتم الاستفادة من الوسائل الفنية في المجالات الدراسية والعلمية المختلفة، فهي لا غنى عنها في هذه المجالات؛ حيث تستخدم الصورة واللوحة الفنية والرسم التوضيحي والوسيلة التعليمية على نطاق واسع في المجالات الدراسية والعلمية المختلفة.