دعا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين، جموع الشعب المصري إلى التمسك بالأخلاق التي سادت ملايين المعتصمين بميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير، مؤكدًا أن الميزة التي شهدتها الثورة هي ذوبان معادن الشعب المصري بكل أطيافه في سبيكة واحدة، أصبح من الصعب كسرها، وأن هذه السبيكة لا بد أن تعاود اللُّحمة من جديد؛ للمرور بالوطن إلى برِّ الأمان.
وطالب- في حديث الثلاثاء بمسجد عصر الإسلام، في حضور قيادات الإخوان والآلاف من أبناء الإسكندرية، مساء أمس- بالتجمع على مبادئ واحدة، وهي الأخلاق الحميدة التي تعارفت عليها البشرية كلها والفطرة السوية للإنسان، مشيرًا إلى أن كفار مكة كانوا يقولون على الإسلام "إن لم يكن هذا دينًا فهو خلق بين الناس كريم".
وشدَّد فضيلته على أن قيمة الحرية عظيمة جدًّا، لا تتجلَّى عظمتها إلا في العبودية لله وحده، وتحرر البشر من كل من سواه؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان بهذه الفطرة، وقال: يا كل الخلق والبشرية، رب العزة هو الذي خلقكم ورزقكم ووهبكم هذه الحرية، وعلينا أن نبرأ من كل ما هو سواه.
وأوضح أن الله تعالى يمهل دعوة المظلوم ولا يتركها أبدًا كما جاء في الحديث القدسي ويقول لها "والله لأنصرنك ولو بعد حين"، وقال: في يوم 12 فبراير 1949م تجمعت قوى الباطل والإرهاب المتمثلة في دولة بأكملها لاغتيال الإمام البنا، وفي ذات اليوم 12 فبراير 2011م خلع الشعب المصري النظام وأسقط الظلم.
وأضاف: حاشا لله أن يضيع دماء الشهداء الزكية؛ لأن زوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من إراقة دم امرئ بغير وجه حق، مؤكدًا أن الله تعالى انتقى من بين الشباب المصري من يختاره شهيدًا من بين الملايين التي نزلت إلى ساحة التحرير؛ لأن منهم من نزل من ساحة (الفيس بوك) إلى ساحة التحرير، طالبًا الشهادة فمنحها الله إياه.
![]() |
|
المرشد العام د. محمد بديع |
وحذَّر فضيلة المرشد العام من التنازع في الرأي أو الاستجابة لمحاولات الفتنة بين المسلمين، وقال: يا كل مسلمي الأرض.. الله تعالى يناديكم ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 46)، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير قبل أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، كما جاء الترتيب في القرآن الكريم، ونحن مقبلون على الاحتفال بيوم اليتيم أناشدكم أن تجعلوا كل يتيم في الأمة يشعر أنكم آباؤهم وإخوانهم.
وتابع فضيلته: قبل الاستعمار الإنجليزي لمصر كان هناك 4 مذاهب في مصر، لكنهم كانوا يصلون معًا، ولأن الاستعمار فهم أن قوة الأمة في ترابطها أثار النزاع بين المسلمين، فأصبحوا يصلون كل مذهب صلاةً منفردةً، وأحيانًا صلاتي جماعة في نفس الوقت في مسجد واحد.
ووجَّه النصيحة إلى الإسلاميين أن يستغلوا أجواء الحرية في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يُريَ الداعية الناس منه ما يحبِّبهم في الله، وأن يحمل إليهم الخير بلا خوف أو منع أو تنكيل أو استبداد؛ حتى يختار الناس بحرية ويختلفوا حول المرشحين في حب مصر، وفق القيم التي يرونها مناسبة لهم.
وقال: ألوان الطيف حينما تحركها جميعًا في اتجاه واحد فإنها تصنع اللون الأبيض، أما إذا تحرك جزء منها دون الآخر فإنها تعطي اللون الأسود، فهيا بنا جميعًا نتحرك بلون واحد هو الأبيض، وألا نتفرق فنصنع فراعين أخرى يكون هدفها تشكيل الناس بأنفسهم وتفريق لحمة الأمة، فيثيرون المشكلات بين المسلمين والأقباط، أو المسلمين أنفسهم، فضلاً عن محاولات شقِّ صفوف جماعة الإخوان المسلمين.
جانب من حديث الثلاثاء
وألمح إلى ضرورة أن تعود المساجد، بيوت الله، إلى مكانتها الحقيقية بعدما شهد دورها تراجعًا على يد من أرجعوا سمعة مصر إلى الوراء وقزَّموا دورها وتراجع معهم دور الأزهر الذي لا بد أن يعود مرةً أخرى كما كان من قبل وليس بإقصاء أو منع أحد من رجالاته من الخطابة، كما فعل النظام السابق مع رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي.

ووجَّه رسالةً إلى الأخوات المسلمات قال فيها: أيتها الأخوات الفضليات.. يا مصانع الرجال، لقد ربت السيدة مريم عليها السلام نبيًّا من أنبياء الله، وأولي العزم من الرسل، وكرمها الله بذكرها في القرآن ومعها امرأة أفجر رجل في الأرض، وهو فرعون فضرب الله بهما نموذجًا للرجال والنساء، أما حينما فسدت المرأة فكانت مضرب المثل أيضًا للرجال والنساء حتى لو كانت زوجة نبي كما في امرأة نوح وامرأة لوط.
وأشار إلى أن الرئيس السوداني عمر البشير حينما التقى به في قصر القبة ذكر له أنه عرض على الرئيس المخلوع قبل ذلك أن تقوم حكومة السودان بزراعة القمح لمصر في أرضها ومن حصتها في المياه، إلا أنه رفض وقال: أمريكا حتزعل مني! وأضاف: أما وزير الزراعة السابق الذي سرطن أجيالاً من المحاصيل الزراعية في التربة فكان يقول عدوُّنا ليس الذي في الشرق (الكيان الصهيوني)، وإنما الذي في الجنوب (السودان ودول حوض النيل).
وأضاف المرشد العام أنه أثناء لقائه مع الرئيس التركي عبد الله جول في القاهرة سأله الحاضرون عن التجربة التركية وكيفية إحداث نهضة إسلامية من خلال حزب إسلامي في دولة علمانية وكيفية الاستفادة منها في مصر، فردَّ الرئيس التركي باللغة العربية "رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، ثم أكمل باللغة التركية قائلاً: "أقمنا حضارتنا ونهضتنا على قيم ومبادئ أخلاقية تعرفونها جيدًا، وأنتم في مصر تستطيعون بناء حضارة جديدة أفضل من نهضتنا وحضارتنا".
وفيما يتعلق بالخوف من الإسلاميين قال: الذي يخوف الأقباط من الإسلام هو الذي يخوف المسلمين أيضًا من الإسلام، ويركب فزاعة الإخوان في هذا القطار، داعيًا الإسلاميين إلى أن يقدموا النموذج الحقيقي للإسلام الذي كان يعيش فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مع المسيحيين واليهود، حتى إن جاره اليهودي الذي كان يؤذيه حينما تغيب عن الإيذاء ذهب ليطمئن عليه فوجده طريح الفراش مريضًا فزاره ودعا له بالشفاء.
