- التربية الإيمانية والأسرية الصحيحة تحقق السعادة

- الرضا بين الزوجين مرتبط بخصائص شخصية كل منهما

 

عدم الرضا الزواجي مشكلةٌ يعاني منها كثيرٌ من البيوت اليوم، فكثيرًا ما تشكو الزوجة من زوجها أو العكس، حتى أصبح التوتر في العلاقة الزوجية وصفًا لا ينقطع، وتزايَد حجم مشكلة الطلاق سواء الفعلي أو النفسي.. الأمر الذي يجعلنا نبحث عن الحلول التي تساعد على تحقيق الرضا الزواجي، أو السعادة الزوجية.

 

حالات من الواقع

في البداية تقول منى: زوجي عنيف معي، لا يهتم بي اهتمامه بأهله وأقاربه أو حتى أصدقائه.. وتشكو سيدة أن زوجها يجامل الجميع خارج البيت على حسابها، فوقْته وماله للآخرين، وهو يرى أن الزوجة يجب أن تصبر على زوجها، فيمكن أن يقصر في حقها لصلتها به، أما الآخرون فيجب عليه أن يتودَّد إليهم ويرضيهم.. فزوجي لا يهتم بمشاعري، ولا يراعي ما يسعدني أو يغضبني، في حين يحرص جدًّا على إرضاء الآخرين، سواء أقاربه أو غيرهم، وقضاء مصالحهم، فلا يتأخر عن تلبية حاجاتهم مهما كانت ظروفه، فقد يبخل عليَّ ليعطيهم أو يهمل شئون بيتنا ليقضي مصالح الناس.

 

وتقول (ح . أ): أشعر بالمرارة والقهر، وقلة الحيلة، أمام إهمال زوجي لي، ولم أجد حلاًّ إلا أن أعتبر نفسي أرملةً حتى أحافظ على بيتي وأولادي، وتشعر نهى بالفراغ العاطفي؛ نتيجة إهمال زوجها؛ مما يشغلها حتى عن عبادتها، فلا تؤدي منها إلا الفرائض وتشعر بالفتور والملل من البيت والأولاد، وكثيرًا ما تفكِّر في طلب الطلاق؛ لأنها لا تشعر بأهمية لها ولا قيمة بالنسبة لزوجها؛ مما جعلها تشعر بالحسرة والإحباط والفشل الزوجي، ودائمًا تسأل زوجها: إذا كنت تحسن إلى أناس إرضاءً لله.. فلماذا لا تُرضي الله فينا، أليس الله- سبحانه وتعالى- سيحاسبك علينا قبل أن يحاسبك على الناس؟!

 

وترى سمية أن الإخلاص بين العباد وربهم قليلٌ، فالعلاقة بين الزوج وزوجته لا يراها إلا الله فقط، وأما ما يفعله مع الآخرين فيراه الناس؛ لذلك يحسن إليهم حفاظًا على مظهره أمامهم، ويستحل لنفسه ظلم زوجته ماديًّا ومعنويًّا.

 

أما (أ.ع) فقد اختار زميلته في الدراسة وتزوجها بعد تعارفٍ وحبٍ منتظرًا حياةً سعيدةً مستقرةً إلا أنها بمرور الوقتِ أصبحت زوجة نكدية كثيرة الشكوى للناس، ولا تمل من تأنيبه واتهامه بالتقصير مما جعله يهرب من مواجهتها ويبحث عن راحته في الخارج.

 

ويقول (م. ف): اخترتُ زوجتي من أسرة متواضعة اجتماعيًّا وماديًّا حتى أجد فيها الزوجة المسالمة المطيعة، وظلت  مثالية معي طوال فترة الخطوبة، ولكن ما أن بنيتُ بها حتى ظهرت صورتها الحقيقية فإذا هي مسيطرة ترفض علاقتي بأسرتي وأصدقائي.. ففسدت العلاقةُ بيننا، ولولا أنها أنجبت طفلتنا الوحيدة لطلقتها.

 

التربية الأسرية

في تفسير الظاهرة ترى الدكتورة وفاء عبد الجواد- مدرس علم النفس التربوي بجامعة حلوان- أن الزوج الذي يُرضي الآخرين على حساب أهل بيته بناؤه ضعيف؛ نتيجة نشأته الاجتماعية، وترفض د. وفاء أن تقول إنَّ الرجلَ الشرقي من طبيعته إهمال زوجته؛ لأنه تربَّى من خلال قيم الإسلام، فالواجب أن يكون أكثر الناس إحسانًا لأهل بيته، ولكنَّ بعدَنا عن الإطار الديني والخروج عن المعايير الدينية وراء ذلك.

 

وتنصح الزوجات بإشباع حاجات الأزواج النفسية، فكل إنسان له حاجاته التي إذا لم تُشبع منها لجأ إلى مكانٍ آخر خارج بيته لإشباعها، والزوجة الذكية تعرف حالات زوجها التي تحتاج إلى إشباعها، دون سائر الحاجات وبإشباعها وأداء دورها الفطري كسكنٍ تستطيع أن تجذبه إليها، فيصبح بيته محلَّ اهتمامه الأول ورعايته.

 

وتنبِّه د. وفاء إلى أنه كلما تقارَب الزوجان- من حيث الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والتعليم والذكاء والسن والدين- أدَّى ذلك إلى الرضا الزواجي والتوافق؛ لأنه يقلل من الصراعاتِ بين القيم والتوقُّعات وأنماط السلوك المختلفة؛ لأن التناسق في التكوين الأساسي للشخصية لدى كل من الزوجين يؤدي إلى النجاح في الزواج، كما أن التفاعل بين الزوجين يؤدي إلى النجاح في الزواج، كما يؤدي إلى التغلب التدريجي على معوقاتِ التوافق والوصول إلى المزيد من نقاط الالتقاء.

 

لذلك فإنَّ الأزواجَ الذين يتسمون بالقلق والتوتر الانفعالي تتسم علاقاتهم الزواجية بالتوتر أيضًا.. وقد تنتهي بالانفصال؛ لذلك فإنَّ التعاون والمشاركة وتحمُّل المسئوليات، والرضا عن الدور الزواجي والأسري بين الزوجين ينطوي على درجةٍ عالية من الرضا الزواجي، ومن ثَمَّ على درجةٍ عاليةٍ من إشباعِ الحاجات لدى كل من الزوجين متدرجًا مع نظامِ الحاجات الإنسانية، وصولاً إلى حاجة تحقيق الذات التي هي قمة الخبرة الإنسانية، أو هي الصحة النفسية الإيجابية.

 

وحتى يتحقق الرضا الزواجي الذي هو أساس الاستقرار الأسري- إذ يشتمل على الإشباع العاطفي والنفسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره- لا بد من اهتمام المؤسسات التعليمية والتربوية بالتربية الأسرية والاهتمام ببرامج الإرشاد الزواجي قبل وبعد الزواج، من خلال وسائل الإعلام ومراكز التوجيه الأسري، واتباع أساليب سوية في تربية الأبناء؛ مما يُساعد على خَلق شخصيات ناضجة انفعاليًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا، لديهم مفهوم موجب تجاه ذواتهم وذوات الآخرين؛ مما يؤدي إلى نجاح حياتهم الزوجية مستقبلاً.

 

مسئولية الطرفين

وفي السياق نفسه يرى الدكتور مصطفى الحاروني- مدرس علم النفس التربوي بجامعة حلوان- أنَّ السعادةَ الزوجيةَ مسئولية الطرفين، وإن كانت الظروف البيئية والمادية تلعب دورًا في تقريب كلٍّ منهما من السعادة الزوجية؛ ويضيف: أن هناك مؤثرات كثيرة محيطة بنا تُمثِّل ضغوطًا علينا، إذا كان الشخص متسامحًا، وعنده إيثار، وسوي الشخصية، ولذلك قال عز وجل: ﴿وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ (النساء: 128)، والمراد أنه يبخل على الآخر بكلمةٍ طيبةٍ؛ ولذلك يُبكت الله تعالى هذه الأنفس؛ لأنه إذا كانت هناك حاجات مادية فهناك حاجات نفسية يحتاج إليها كلٌّ منهما، كالتقدير والحب، فكلمة الزوج والزوجة لها تأثير كبير، فمع الانشغالات ومسئوليات الحياة ينسى الناس اللمسات الطيبة، ومن الخطأ أن نعتقد أن إشباع الحاجات مرتبط بسنٍ معين، ومع مرور الوقت على الزواج والمشاغل وكِبر الأولاد ينسى الطرفان أو أحدهما مثل هذه اللمسات، ويتولد الجفاء، فالجفاء يأتي بالجفاء، والسعادة تأتي بالسعادة، فلا بد أن يكون هناك إيثار وتضحية وتسامُح، كلما نمت هذه الحلقات، ظهرت في سياق حياتنا المؤثرات الخارجية، مثل  ضيق ذات اليد- تدخل الأهل- العادات السيئة والصداقات غير الطيبة، والاختلاط مثار خلافات بين الزوجين، فقد يظن أحد الزوجين بسبب الاختلاط أو ما يُسمَّى بالحياة العصرية أن زوجته أصبحت ليست في مستواه، وتتولد الممارسات الخاطئة في حياتنا العصرية المليئة بالمتناقضات والبعد عن المعايير الخلقية والقيم الدينية.. كل ذلك يولد المشكلات التي تؤثر على السعادة الزوجية.

 

قدوتنا النبي

 

المسجد النبوي

وترى الداعية كريمة عبد الغني أن الاختلاف الكبير بين صورة الزوج داخل بيته وخارجه يدل على بُعده عن المنهج الشرعي وعلى شيءٍ من النفاق، وعلى العكس إذا كان الزوج قويًّا في دينه واعيًا بواجباته الشرعية كان رقيقًا مع أهله معتنيًا بهم ماديًا ومعنويًا؛ اقتداءً بالنبي- صلى الله عليه وسلم- فقد كان رقيقًا مع زوجاته، فهاهي عائشة- رضي الله عنها- يقول لها: "إني لأعلم متى تكوني غضبى، ومتى تكوني راضية، إذا كنت غضبى تقولين بلى ورب إبراهيم"، وكان يقول لها أيضًا "حبك يا عائشة في قلبي كالعروة الوثقى"، وإذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم- قد أوصى المسلم إذا أحب أخاه المسلم بأن يُخبره بذلك، فالزوجان أحرى بتبادل المشاعر الرقيقة.

 

وتضيف كريمة إن الرجل الشرقي لا يتعلم كيف يعامل زوجته، ولكنها تجد منه جفاءً يُشعرها بأنها تعمل بالسُّخرة؛ مما يؤدي إلى الاكتئاب أو الذهاب إلى الطبيب، وتجد نفسَها في مفترق الطرق، وقد تطلب الفراق لشعورها بالهوان.

 

وتنبه كريمة الأزواج إلى أن المرأة طبيعتها عاطفية، فإذا حُرمت من إشباع حاجاتها النفسية فكأنها حرمت الماء والهواء، والرجل هو الخاسر؛ لأن مشاعر المرأة إذا لم يؤخذ منها تجفُّ، ويستطيع الزوج أن يكتسب ما يرضي زوجته من أخلاق، بأن يحاول تكلف هذا الخلق وممارسته حتى يصبح صفةً فيه، وأن يصادق من يتصف بهذا الخلق، وأن يقرأ في السيرة؛ ففيها نماذج طيبة لحسن العشرة، وأن يتذكر عقاب إهماله لأهله وثواب اهتمامه بهم، فقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "من لقي أخاه بما يسرُّه سرَّه الله يوم القيامة"، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "الرجل راعٍ على بيت أهله ومسئول عن رعيته".

 

التربية الإيمانية

ويقول الشيخ أحمد عبد العظيم إنَّ التربية الإيمانية الصحيحة هي السبيل لتحقيق السعادة الزوجية، فإذا ظلل الإيمانُ البيتَ تكون السكينة والرحمة والمودة والألفة، فنجد كل طرف يتقي الله في الآخر، ويعتبر الإحسان إليه قُربى إلى الله- عز وجل- وعبادةً له، فيتجاوز كلٌّ منهما عن زلاتِ الآخر، ويجد له عذرًا كما يحب أن يجد له عند الله عذرًا.

 

فالعنصر الأساسي الذي تذوب معه المشكلات ولا تؤثر فيه النسب والفروق هو المسائل الإيمانية، ونجد ذلك في سيرة الصحابة، فقد كانوا يتزوجون من فتيات صغيرات، ويحقق الإيمان بينهما التوافق، وكان العبد الحبشي يتزوج من شريفة؛ لأنهم ارتقوا بالإيمان، فيعين كلٌّ منهما الآخر على طاعة الله.

 

فالبيوت عندما تؤسَّس على الإيمان والتقوى لا يمكن أن توجد الخلافات وإن حدث خلاف سرعان ما يتحطم على صخرة الإيمان؛ ولذلك وجهتنا الشريعة إلى الاختيار على أساس الصلاح؛ فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "فاظفر بذات الدين تربت يداك"، وقال- عليه الصلاة والسلام-: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فلا تردوه"، وقال الله- عز وجل-: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 221)، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 221).

 

فبصلاح الطرفين نقيم الأسرة السعيدة؛ لأن الإيمان يرتقي بالخلق، فقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "أفضلكم إيمانًا أحاسنكم خلقًا"، فالأخلاق مرتبطة بالإيمان علوًّا وانخفاضًا، إذا قوي الإيمان علت الأخلاق، وإذا ضعف الإيمان ساءت الأخلاق، فالمؤمن حَسَنُ الخلق مع كل الناس؛ لأنه يُدرك أنَّ الإسلامَ مرتبطٌ بحركةِ الحياةِ كلها، فالفضيلة عند المؤمن لا تتجزَّأ أبدًا، بل له سمتٌ واحدٌ في كل مواقفه.. حتى مع أعدائه.