تحقيق- روضة عبد الحميد

مع مقدم رمضان الكريم شهر الخير والرحمة والمغفرة والعتق يستقبله الجميع بالفرحة والإقبال على العباداتِ والطاعةِ لله، ويسعى الجميع لأن يغترف من فيضِ بركاته وعطر نفحاته، ومن ضمن ذلك الركب زوجان دخلا عُش الزوجيةِ من قريبٍ، بينما طرق بابهما رمضان من قريبٍ، بل ما زال يخطو أولى خطواته من أيام فقط؛ فهي أول مرة يطل رمضان عليهما في عشهما معًا، ولكن ترى ماذا أعدَّا لذلك الشهر الذي يصومانه معًا لأول مرة؟ وما التغيير الذي طرأ على حياتهما من عبادات مستجدة وواجبات صلة رحم؛ فكيف يبدآن برنامجًا معًا؟

 

في البداية تقول لنا إيمان محمود 24 سنة-: حين تزوجتُ تخيلتُ أنني سأختلي بنفسي في رمضان وسأعتكفُ وسأختمُ القرآن 10 مراتٍ لا مرةً واحدةً، وسأفعل الكثير لأنني متفرغة، ولكن ما اكتشفته هو العكس، فالمسؤلياتُ أصبحت كثيرةً جدًّا، حيث دعا زوجي أهله متفرقين لعدةِ مراتٍ، وبالتالي دعا أهلي أيضًا بنفس النسبة؛ ودعا زملاءه في العمل، ودعا أصدقاءه، ولا أُنكر أنني تعبتُ كثيرًا بسبب ذلك المجهود خصوصًا مع الصيام، وبالتالي ما أن يُؤذن العشاء حتى أكون قد أفرغتُ شحنتي لا شك؛ ولا يصبح أمامي إلا أن أستيقظُ قبل الفجر بثلاث ساعات لأقيمُ الليل وأتعبد حتى قبل صلاة الفجر؛ حيث أبدأ في إعدادِ السحور، وأدور في تلك الطاحونة ثانية!!!.

 

أما مريم عامر 29 سنة- ربة بيت- فتقول كان رمضان الماضي أول رمضان لي ببيتي، وكان أشبه بالحلمِ الجميل؛ حيث اتفقتُ أنا وزوجي على أن نُفرِّغ أنفسنا للعبادةِ فحسب فاعتذرت لأقاربي برقةٍ عن أي دعواتٍ عدا أمي وأمه، واعتذرنا على وعدٍ بأن نُلبي دعوة غداء بعد رمضان؛ وذلك فقط لأننا نُريد تقليل خروجنا في رمضان وتفريغ أنفسنا للعبادةِ فحسب، وقد قبلوا دون أي غضاضة، ولذا أعتكفنا العشر الأواخر، وكنا نُصلي بنصف جزءٍ بالجامع ثم نعود لنصلي معًا ونتشارك في القيام والدعاء والتهجد والبكاء والذكر، وحتى أذكار الصباح كنا نرددها معًا، ولا أُخفيكم كمَّ الحب الذي أظلَّ علينا بسببِ تلك الأيام التي التقينا فيها على الطاعة، ولذلك أحلم أن أُكرر نفس الحلم ذلك العام، وحريصة على ذلك أنا وزوجي؛ بل إننا نحمد الله أننا لم نُرزق بعد بأطفال لنعيش "شهر العسل" المبارك ذلك ثانيةً.

 

تجربة لن تتكرر

وتؤكد فاطمة عبد الله 26 سنة- محاسبة- بإصرار أنها لن تُكرر تجربة العام الماضي؛ حيث كانت تفطر غالبًا عند أمها أو والدته، وغالبًا كانا يبيتان، فلم يشعرا برمضان تقريبًا، ولذا لن تكرر تجربة العام الماضي هذا العام، وتنوي أن تنفرد بنفسها وزوجها وربها وكتابه فحسب؛ مع ملاحظة عدم تأثير ذلك على صلةِ الرحم، فلا بد أن تأخذ ثوابها ولكن بالمعقول.

 

وهمست لنا الباحثة حنان زين- مدير مركز السعادة الزوجية- في أذن الزوجين الجديدين أنَّ الكونَ كله مسخرٌ لسعادتكما؛ والله عز وجل يُسخِّر كل شيء لسعادتكما؛ فالشياطين مصفدةٌ، والروحانيات عالية، وصفاءُ الأنفس يشع، ولنعتبر أنَّ الحرصَ على صفاءِ النفس في رمضان كتدريبٍ لمدة 30 يومًا؛ لأنَّ الله يعلم أنه من الممكنِ أن يُدرِّب الإنسانَ لسنة كاملة في 30 يومًا؛ ففرصة أنهم يأخذون دعمًا وشحنةً لسنةٍ كاملةٍ؛ ففيه يحرص كل طرفٍ على مراعاةِ الطرفِ الآخر وامتصاص أي مشاحنات سريعًا؛ فحتى الناس العادية البسيطة تقول: "في هذا الشهر نتصالح"، فالشياطين مصفدة وكل طرف يتدرب على أن يسامح و"يقلب الصفحة"؛ ونُجرِّب في ذلك الشهر كيف تحل الخلافات بطريقة بسيطة وسهلة وكيف نتغافر.

 

رمضان يقرب الزوجين

وتوضِّح روشتة حنان زين أنَّ الالتقاء على الطعام في فتراتٍ ثابتة (السحور والإفطار) من الأمورِ التي تُوحِّد المشاعر، وبهذا يخلق رمضان جوًّا من الود؛ فمثلاً يقف الزوج في المطبخ يُشارك زوجته إعداد الإفطار ويعد لها السلطة مثلاً وهما يرددان الأذكار معًا، بالإضافةِ إلى اشتراكهما في طاعاتٍ جميلة مثل الذهابِ معًا لصلاةِ التراويح؛ وقراءةِ القرآن والتسابق في حفظه؛ فرمضان فرصة أنَّ كل طرفٍ يستزيد من الخبرةِ التي عند الطرفِ الآخر فينطلقا مع بعضهما خصوصًا أنها لم يُقيدا بعدُ بالأطفالِ ولم يعودا مقيدين بالأهل؛ فليفعلا أي شيء يحبونه؛ فمثلاً يُمكنهم أن يفطروا في مساحةٍ خضراء أو يلتقوا حول برنامج معين وحول شيء مفيد؛ فهما لم "يُلخما" بعد بأولاد فهما ما زالا "خِفافًا" فيمكنهما الاهتمام والتواصي على صلة الرحم والعلاقاتِ الاجتماعية التي تقطعت عندنا للأسف؛ ولا شك أن الاشتراك في طاعة يعطي مشاعر خاصة وحب عميق مميز وفريد.

 

وتهمس في أذن الزوجة ألا تهتم بما سبق من عبادات فحسب بل يجب عليها ألا تنسى حق زوجها عليها وهو ما لا يتعارض مع قدسية الشهر فكل شيء مباح بعد الإفطار.

 

فقه العزائم

والعزائم لها فقه من الناحية الاقتصادية والاجتماعية؛ فلو كنا سندعو أحدًا، فلا بد أن يُوضع معدلٌ يتوافق مع مادياتنا وظروف صحةِ الزوجة؛ وهي نقطة هامة، فيجب أن يُراعي الزوج ألا يُرهقها وهي صائمة ولا يقول أمي كانت تفعل وتفعل ويقارن، فهو يريدها مثل أمه، فيجب أن نعترف أن صحةَ الجيل السابق تختلف عن هذا الجيل؛ وذلك حتى لا أخسر ميزانيتي وأنفق ما لا أُطيق.

 

ولكن يجب أن يجلس الزوج والزوجة معًا ويتشاركا في وضع ميزانية، فعدد العزومات يجب أن يتوافق مع ظروفهما المادية والنفسية ويشاركها لأنَّ من الممكن أن تكره العزائم لو شعرت أنها "تدبيسة" وإرهاق و"قطم للميزانية".

 

وتضيف إلى أهمية أن نستحضر النوايا قبل أن نُلبي دعوة أحد؛ فنستحضر نية صلة الرحم ولا نتصيد الأخطاء لأحد؛ ويبقى كل واحد فينا حريصًا على مشاعرِ الآخر، ولا يُقارن بين أهله وأهل الطرف الآخر.

 

وتلبيتهم لدعوات الإفطار لا تعود عليهم بالسالب، بل العكس فقد تُعمق وتزيد من تقاربهم؛ فهما يذهبا معًا ويعودا معًا، وقد تحاول أن تساعد أهل البيت، وقد يذهبا معًا للتراويح، وحذَّرت الزوجة من النوم الزائدة في نهار رمضان؛ حيث يجب أن يتعود جسمها وتعتاد أن ترتب أمور حياتها وبالتالي تحتاج للتدريب والنظام فتحتاج للممارسة العملية ورمضان خير ممارسة.

 

تحذير

وحذَّرت الأستاذة حنان بشدةٍ من قنبلة خطيرة مستجدة، وهي أن يفطر الزوج عند أهله والزوجة عند أهلها كل منهم على حدة!!! فأكدت أن ذلك مرفوض وسيؤثر بلا شك بالسالب على الزوجين، فليس من المعقول أن كل طرف يأخذ نفسه ويذهب لذويه!!.

 

وتنصح الدكتورة الزوجين رفع شعار "الأسرة الدافئة" في العموم وفي رمضان خصوصًا تضيف عليه "بركة رمضان"، و"التغيير يبدأ من رمضان"- حسب رأيها- ولكنها تضيف ليس المهم هو رفع الشعار بقدر المهم هو تنفيذه.

 

وأد المشاحنات

بينما تؤكد الداعية سمية رمضان أنه مما لا شك فيه أنه لو كان الزوجان صالحين فسيحرصان على ألا تحدث بينهما مشاحنات وأن يطفئوها سريعًا إن حدثت فهذا سيقرب بينهم فمعروف أن في رمضان لا تحدث مشاحنات؛ فالتقي فيهما يتفنن في تفتيت أي خلل؛ ولو حدث بينهم خلاف "هيلموه" سريعًا وإذا كانوا يتبعون الله ورسوله فسيكونون أتقياء حتى مع أفرادِ الأسرة كلها.

 

ومن الجميل الاشتراك في تفسير القرآن معًا مثلاً؛ كل طرف فيهم يعرف تفسيرًا يقوله للآخر، وبالتأكيد بهذا سيربحا كثيرًا في هذا الشهرِ المبارك؟ وتشدد على الأسرة أن يُصلي ربها بها إمامًا؛ وإن كان غير حافظ فليحفظ ولو القليل لأنه قدوة، فهو يجب ألا يتخلى عن مسئوليته أنه قيِّم في الدين كما لا يتخلى عن مسئوليته المادية؛ فمثلاً يصطحب زوجته وأسرته لأقرب مسجد، ولا بد أن يتعلم التجويد إن كان لا يجيده؛ فمن الطبيعي في رمضان أنَّ الطاعات تكون أكثر وإلا لن يكون رمضان؛ فهو شهرٌ أوله رحمة ودائمًا الفرد يساعد نفسه أن يدخل في الرحمة.

 

وحالات الطلاق التي تقع في رمضان كثيرة، ولكن للذين لا يفهمون أو الذين صاموا عن الطعام والشراب فحسب؛ وذلك وحده قد يجعلهم في حالة غير طبيعية فيتلفظ بلفظِ الطلاق خصوصًا أن الزوجة تهلك الزوج بطلباتِ رمضان والعيد فترهقه.