- رمضان في المعتقل أكثر روحانيةً وصفاءً وكل الإشفاق كان على الأهل

- صلاة التراويح في البيت تجمع قلوب أفراد الأسرة على الطاعة والعبادة

 

حوار - هدى سيد

رغم انشغاله المستمر في أعماله الحياتية والدعوية إلا أنه يحرص على لقاءِ الأسرة خاصةً في شهر رمضان الكريم؛ حيث تتنزل الرحمات وتزداد الأيام بالطاعات وتحلو الليالي بالقرباتِ وتكون هذه الأيام المعدودات فرصة للقاءِ الأهل والأحباب.. فمع د. عبد المنعم أبو الفتوح نتعرف على أسرته التي تضم زوجته د. علياء محمود طبيبة النساء والتوليد، وستة من الأبناء عبد الرحمن مهندس، علا طبيبة، حذيفة صيدلي، يسرا ونهى بكلية الطب، وأحمد بكلية التجارة، وكيف يقضي هذا الشهر الكريم في صحبة الأهل وذكريات السنين.

 

* ماذا يمثل شهر رمضان بالنسبة لكم؟

** لا شك أن شهر رمضان له خصائص روحية واجتماعية تفرض نفسها على الإنسان وكأنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذه الخصائص من أجل تجديد المناعة الإيمانية والاجتماعية للمجتمع المسلم، ونحن كأسرةٍ كبيرةٍ نسبيًّا قلما نجتمع معًا لانشغال زوجتي وأبنائي في أعمالهم فيأتي شهر رمضان ليكون فرصةً لأن نلتقي على الإفطار والسحور؛ ولا شك أنَّ هذا اللقاءَ بغض النظر عن كونه على طعامٍ إلا أنه فرصة لإعادةِ التواصل بين أفرادِ الأسرة بل وأفراد المجتمع من خلال ما يتمثل فيه من دعواتٍ اجتماعيةٍ وعائليةٍ على الإفطار فهذه ميزة وخصيصة لهذا الشهر الكريم يعدها المسلم نعمةً عظيمةً يحمد الله عليها أن جعل شهرًا في العام له هذه الخصائص.

 

ومن أفضال شهر رمضان أيضًا المناعة الروحية التي يُعطيها للمسلم بما فيه من صيامٍ وقيامٍ وتهجد واقترابٍ من القرآن، فكل هذا يجدد المناعة الروحية للإنسان الذي يظل طوال العام تتصارعه الحياة بمشاكلها ومشاغلها سواء الحياتية أو الدعوية والتي أحيانًا ما تكون صعبة بحكم الظروف القاسية التي نعيش فيها سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الدعوي نعيش في حالةِ صراعٍ قاسٍ على النفس والقلب حينما يكون مصير العاملين للدعوة السجون والمعتقلات والتضييق فلا شك أنه لولا أننا نُجدد مناعتنا الروحية والإيمانية لكان من الصعبِ علينا كثيرًا أن نتحمل هذه التبعات.

 

رمضان مع الأسرة

* هل هناك برنامج تحرص على تطبيقه في شهر رمضان الكريم سواء على المستوى الشخصي أو الأسري؟

** بالطبع أكون حريصًا على صلاةِ التراويح في بعضِ الأيام في البيتِ مع الزوجة والأبناء ليكون شكلاً من أشكال التجمع على القرآن الكريم، وأتعمد هذا لجمع شمل الأسرة على الصلاةِ والسجود والركوع الذي يؤلف به الله القلوب ويقربها ويرققها، أما برنامجي الشخصي فتزيد فيه الجرعة الإيمانية والاجتماعية بشكلٍ أكبر فتكون فيه أكثر انتظامًا وارتباطًا بالالتزاماتِ الأسرية، فبعد تجربة عشر سنوات من حياتي الاجتماعية وجدتُ أنَّ البيتَ يحتاج أن يُوضع في البرنامج فكنتُ أترك نفسي دون متابعة للأسرة بسبب الانشغالِ بالعمل العام والدعوي، فكنتُ لا أجدُ أي متسعٍ من الوقتِ كي أجلس مع زوجتي وأبنائي وأتلمس حاجاتهم ومشاكلهم، ولكني قمتُ بتغيير هذا الوضع وحددت موعدًا لأكون مع أسرتي لا أتخلف عنه أبدًا لأي ارتباطٍ آخر، وهناك يومان على الأقلِ أكون فيهما في البيتِ في الفترةِ المسائية، وهذا اللقاء يسمح بنوعٍ من الحوارِ والتقاربِ وإجراء المناقشات وتذكير الأبناء بشيء ومدارسة المفيد من الكتب، وهذا ما يحدث أيضًا في شهر رمضان الكريم؛ حيث نتدارس بعض الكتب مثل إحياء علوم الدين للغزالي وكتب عن الرقائق تسمو معها النفس.

 

وأجمل ما في هذه الأيام أننا نجتمع على القرآن والعبادة والطاعة، وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "تماسوا تراحموا" وليس مقصودة في الصلاة فقط بل إنَّ التماسَ هنا بمعنى التقارب والالتقاء على طاعةِ الله عزَّ وجل والتي تتنزل بها الرحمات وتكون لها انعكاس على ترابطِ الأسرة وتماسكها.

 

* كثرة دعوات الإفطار خارج المنزل هل تجعل وجبة السحور هي التي تجمع شمل الأسرة؟

** كنتُ أترك نفسي لتلبيةِ كل الدعوات والتجاوب معها فوجدتُ في سنةٍ من السنوات أني لم أفطر في البيتِ إلا يومًا واحدًا؛ ولذلك قررتُ منذ خمس سنوات أن أضع حدًّا لتلبيةِ دعوات الإفطار بحيث لا تزيد عن عشر دعوات رغم رغبتي في الاستجابة لكل الدعواتِ إلا أنها يترتب عليها العودة متأخرًا وقد تفوتني صلاة القيام.

 

ولا أجعل انشغالي كذلك يؤثر على زيارةِ الأهل وصلة الرحم فأحرص على الالتقاءِ بأهلي وأهل زوجتي فضلاً عن أسر أبنائي وعائلاتهم فكل منهم له إفطار معنا في يومٍ من أيام الشهر الكريم.

 

* هل يتغير أسلوب حياة الأسرة في شهر رمضان الكريم؟

** لا يختلف كثيرًا؛ لأن هناك برنامجًا نسير عليه طوال العام ويزيد في هذا الشهر وتتضاعف فيه الطاعات والعبادات والاقتراب من القرآن الكريم بتدبرٍ وفهمٍ والذي يكون فرصة لتطهيرِ النفس والقلب والإقبال على الله سبحانه وتعالى بالتوبةِ والعمل الصالح، أما الأداء الوظيفي فلا نُغير وقته ولا نُقصِّر فيه فيقوم كل منا بعمله بجدٍّ واجتهاد.

 

فأنا مثلاً أذهبُ لعملي في الصباح وأعود في الرابعة عصرًا وتظل الارتباطات المسائية كما هي، فلا أميل لمَن يجعل شهر رمضان حجة لتعويق الأعمال سواء الحيايتة أو الدعوية، فعلينا أن نأخذ من أوقاتِ النوم والكسل في غير رمضان لنضيفه لأوقات عباداتنا وذكرنا فيه.

 

الوقت هو الحياة

* إذن ما وسيلة التوازن بين كافةِ هذه الأعمال وكذلك أداء الطاعات والعبادات مع ضيق الوقت الذي قد يشعر به البعض؟

** هذه مشكلة بالفعل وأحلها بتنظيم وقتي في رمضان وفي غير رمضان وتنظيم الوقت مفيد جدًّا للانسان الذي لو نسي أنه يملك أربع وعشرين ساعة في اليوم لم يفعل شيئًا، فلا يأخذ من وقتِ عملٍ إلى وقتِ عملٍ آخر، وسيجد أنَّ اليوم يكفي للقيامِ بالعملِ الوظيفي والعمل الحياتي والعمل الدعوي، وكذلك تخصيص وقتٍ للأسرة والأبناء ووقتٍ للنوم ووقتٍ للطعام فلا يطغى حق على آخر، ولو عرفنا أنَّ الوقتَ هو الحياة، وإننا سنسأل عنه يوم القيامه فسوف يكون هذا كافيًا لأداءِ كافة الأعمال في إخلاص ونشاط.

 

وهي دعوة كذلك لحفظ الوقت وعدم تضيعه هباءً أو في لهو وغفلةٍ كمَن يقضي جُلَّ وقته أمام التلفاز خاصةً في شهر رمضان الذي يتنافس فيه الإعلامُ على مضاعفةِ البرامج والأفلام والمسلسلات مما يُصرفهم عن المقصدِ الحقيقي لهذه الأيام الطيبة وهو مغفرة الذنوب وزيادة الإيمان وتقوى الله عز وجل.

 

* مما لا شك فيه أنَّ مع انشغالكم المستمر تقوم الزوجة بدورٍ أساسي داخل البيت لتعويض هذا الغياب فما هو؟

** بالطبع تؤدي زوجتي دور كبير في حياتي أنا والأولاد واعتبر هذا توفيق من الله سبحانه وتعالى فجزاها الله خيرًا، ويكفي أنه طوال خمس سنوات متصلة من الاعتقال كانت تقوم برعايةِ الأولاد وأداء عملها كطبيبةِ نساء وتوليد، وبفضل الله مرت الخمس سنوات وما احتاجت الأسرة من بعد الله سبحانه وتعالى لأحد؛ وذلك بسبب حرصها على القيام بوجباتها كأم وكذلك تتابع زيارتي في المعتقل وتؤدي واجبها الوظيفي والذي لا تعتبره فقط مجرد وسيلة تتقرب بها إلى الله، ولكنه أيضًا مصدر رزقٍ جعلها لا تحتاج لأحد.

 

رمضان في المعتقل

* بمناسبة ذكر المعتقل ما ذكرياتكم فيه وكيف كان يمر شهر رمضان عليكم وعلى الأسرة؟

** بالنسبة إليَّ انظر إلى المعتقل على أنه مكان من أرضِ الله سبحانه وتعالى، حيث أجده فرصة لمزيدٍ من الثوابِ والقرب من الله ومراجعة النفس فيما قصرتُ فيه من حقِّ ربها وحق غيرها وعلى عكس ما قد يتصوره البعض تكون الزيارة في المعتقل في شهر رمضان أجمل من غيرها وأقرب إلى الله سبحانه وتعالى وأنا بفضل الله ما أخذت موقفًا من المعتقل في يومٍ من الأيام، بل كنت أنظر إليه على أنه مكانٌ أتفرغ فيه للعبادةِ ولم أتشائم منه وما زلتُ حتى الآن أزور الأطباء المعتقلين وأنا شفوق عليهم لتعرضهم للظلم والتغييب عن الأهل.

 

وعن مشاعر زوجتي وأبنائي أثناء زيارتي في المعتقل فقد كانوا بفضل الله غير متضجرين ولا منزعجين فقد تربوا على الصبرِ والاحتساب.

 

وقضاء شهر رمضان في المعتقل كان أكثر روحانيةً وقربًا من الله عزَّ وجل لكننا كنا نشفقُ على الأهل لما يتعرضون له من تعبٍ وإرهاقٍ أثناء الزيارة.

 

* كيف كان التواصل مع الأهل أثناء فترة المعتقل ؟

 

** التواصل مع الأسرة والأبناء لم يكن فقط من خلال الزيارات التي كانت غالبًا قصيرةً ومزدحمة، بل كان أيضًا التواصل بالخطاباتِ التي كنت أخص كل ابن من أبنائي بها، فضلاً عن زوجتي وأشقائي ووالدتي فكانت وسيلة للحوار وبث روح الصبر والرضا والاحتساب وبالتأكيد فإن تربية الأبناء في جو إيماني وتربوي سليم منذ الصغر لا شك أن له أبلغ الأثر في تكوين شخصيتهم وقوة احتمالهم للشدائد والصعاب.