في البداية لا بد من ذكر حقيقة مهمة، وهي أن الحياة الزوجية ليست راحة كلها، وليست سكوناً كلها، وليست وداً واتفاقاً كلها، بل راحةٌ حيناً وتعبٌ حيناً، وسرور، وحزن، واتفاق، واختلاف، ووئام، وليس في العالم كله زوجان يخلوان من الاختلاف كلياً، ولا تجد زوجين تسير حياتهما دائما في اتفاق وود ووئام، إذ لا بد من الاختلاف.

والاختلاف سنة الله تعالى في هذه الحياة، قال الله تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ" هود.

وأيضا لا ننسى أن الحياة الزوجية مبنية علي الحب والمودة؛ قال تعالي: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ( الروم : 21).

ولكن سفينة الحياة الزوجية قد تعترضها بعض الأمواج التى تعرقل سيرها، فكل بيت يمر بأزمات تكاد تعصف به لولا قيادة واعية  واحتواء من الطرفين لهذه  الأزمات لضلت سفينة الحياة الزوجية  طريقها إلى بر الأمان

والمشاكل الزوجية كبرت أم صغرت ليست هي التي تحدد إمكانية الوصول إلى  حل، ولكن استعداد الزوجين ورغبتهما  في البقاء والاستمرار في العلاقة  هو المفتاح الحقيقي لحل المشكلة إذ كيف يتعامل  الطرفان مع  المشكلة  ؟

هناك مشكلات تبدو في ظاهرها بسيطة، لكن بالبحث عن أصلها تجد لها جذوراً عميقة وتراكمات في نفسية أحد الطرفين، قد تظهر في صورة سخرية أو استهزاء أو ذكر عيوب الطرف الثاني أمام الآخرين، وقد تكون في صورة تجنب للطرف الآخر وعدم الدخول معه في حوار أو الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي لفترات طويلة، أو المكث في العمل لفترات طويلة هربا من حل المشكلة ويتركها لتحل مع الأيام دون مواجهة، فتنفجر في وجهه في يوم من الأيام وتهدد حياته الأسرية التي ما كانت لتتفاقم لو تعامل مع المشكلة فور حدوثها

وسنذكر هنا بعض النصائح لاحتواء وفهم المشاكل، ومنها:

       أولا: "أصلح ما بينك وبين الله يصلح ما بينك وبين زوجك"

فإذا رأى الزوج في بيته مشكلة جديدة فليفزع إلى الله تعالى بالاستغفار والتوبة، فلعله عمل عملاً لم يكن يعمله من قبل، ولعله اجترح اليوم ذنباً ما كان أذنبه أمس.

كان بعض الصالحين يقول: (إني لأعرف حالي مع الله تعالى من خلق زوجتي).

وقال صلى الله عليه وسلم "من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك"

رواه ابن عمر رضي الله عنهما صحيح الإسناد

     ثانيا: "ليست المشكلات الزوجية شراً كلها، بل ربما كان فيها خير"

قال الله تعالى: " وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" البقرة: 216

وقال سبحانه في سورة النساء: " فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" النساء

لعل أحد الزوجين أو كليهما يتضايق من مشكلة في البيت، ويتضجر منها، لكن الله تعالى يهيئ لهما من هذه المشكلة خيراً كبيراً من حيث لا يعلمان.

وفي حادثة الإفك، حين أرجف المنافقون على السيدة عائشة، رضي الله عنها، واتهموها ، وشاع الخبر في أرجاء المدينة، وتحدث الناس بهذا الأمر المرعب، فأنزل الله تعالى براءتها في القرآن الكريم، فقال " إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ"،١١ سورة النور

 فالمقادير لا تجري إلا بخير، ولو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.

وقد قال الصالحون: "وراء كل محنة منحة، ووراء كل بلية عطية، ووراء كل عسر يسر ووراء كل شِدَّة شَدَّة، ووراء كل ضيق فرج"

     ثالثا: "في حال حدوث مشكلة لا تلجأ إلى سبعة أمور:

1. الهجر وترك البيت.

2. إدخال الأبناء في الخلاف.

3. السحر والشعوذة.

4. طلب الطلاق.

5. الدعاء بالهلاك.

6. التهديد بالزوجة الثانية.

7. الضرب والسب واللعن.

فلا يوجد منزل يخلو من المشكلات، فسيدنا محمد خير خلق الله، وزوجاته الكريمات خير نساء الدنيا، ووقع في بيوتهن خلاف، كالذي كان بينه صلى الله عليه وسلم وبين السيدة عائشة.

عن النعمان بن البشير «" اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا، وَقَالَ: أَلَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْجِزُهُ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا، فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْنَا)». رواه أبو داود في " السنن "

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبي" قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: "إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبي قلت: لا ورب إبراهيم" قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك" رواه البخاري

      رابعا: "واجه المشكلة بجلسة نقاش"

إذا كان هناك مشكلة بين الزوجين فلا بد أن تواجه بجلسة نقاش بينهما، ولكن بشروط:

أن يكون هذا النقاش على انفراد، دون تدخل الأولاد والجوار والأهل.

أن يكون بعيداً عن الغضب، لأن الغضب يفسد الأمور، ويسقط الرجال، وهو عاطفة جياشة تغطي العقل، فتمنع التفاهم والتخاطب.

وعن أَبي هريرة" أَنَّ رَجُلًا قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِني، قَالَ: لا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لا تَغْضَبْ" رواه البخاري.

     خامسا: لا تذكر الخلافات الماضية، وألا تحصى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، لا تحصي فيحصي الله عليك" أخرجه أبو داوود

تكلم ودع الآخرين يتكلمون، فالكثير من الناس يريد في النقاش أن يتكلم وحده، ويريد من الطرف الآخر أن يستمع فقط.

        سادسا: "الوقت كفيل بحل عدد من المشكلات"

ليس من الضروري أن تحل المشكلة الآن، بل نضع حلولاً مقترحة عاجلة أو آجلة، إذ غالباً ما يتغير رأي أحد الزوجين، أو تتغير فكرتهما عن المشكلة.

لندع الوقت يأخذ دوره، ونبين وجهة نظرنا، ونسمع وجهة نظر الطرف الآخر، ولنذكر أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، مع أنه سبحانه قارد على خلقهن بكلمة "كن"، ونصر الله تعالى نبيه محمد بعد ثلاثة وعشرين سنة من البعثة، مع أنه سبحانه قادر على أن ينصره من أول دقيقة، لكن علمنا -جل جلاله- بأن الأمور تجري بمقادير.

      سابعا: "التعايش مع المشكلة أحد أنواع الحل"

هناك أمراض لا دواء لها، كالسكري مثلاً، تجد المريض يتعايش مع هذا المرض، ويتقبل الحياة كما هي، وكذلك إذا رأى أحد الزوجين من الآخر أمراً لا يحبه، ولا يتقبله، ولم يستطع تغييره فليدرب نفسه على التعايش والتأقلم معه، وينال بذلك أجر الصبر.

  ثامنا:"استشر ثقة"

استشر من تثق بدينه وعلمه وأخلاقه، تثق بخوفه من الله وبخبرته الحيوية.