أحمد الإدريسي
أولا: واجب العلماء نحو غزة والمسجد الأقصى
إذا كان الشرع الحكيم قد فرض على المسلمين تحرير أي أرض إسلامية يحتلها العدو، فإن لأرض فلسطين خصوصية دينية تؤكد على الواجب، وتُضاعف الهمم لتحريرها، ففيها المسجد الأقصى، ولها ولبلاد الحرمين مزية خاصة، كما أنها الأرض التي بارك الله عز وجل فيها للعالمين، يجب على العلماء أمور نذكر منها:
– تعليم الأمة فقه الأحاديث التي تبشر بظهور طائفة من المؤمنين على أهل الكفر حتى يأتي أمر الله. روى ذلك عن النبي المغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وثوبان بن بُجدد، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وقرة بن إياس، وزيد بن أرقم، وكعب بن مرة البهزي، وأنس بن مالك، وصُدَي بن عجلان أبي أمامة وغيرهم. فعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون” (الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: فرض الخمس. حديث: 2965، والإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الإمارة. حديث رقم: 3640).
– يجب أن نعلن عداوتنا لمن عادى الله ورسوله، وأن نعلن ولاءنا لله ورسوله ولمقدساته، واليهود هم أعداء الله من خلقه، وهم أعداء الأنبياء، وهم أعداء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأشد الناس عداوة للمؤمنين.
– بالنظر إلى الجانب التاريخي؛ فقد طمع فيها من قبل الفرس، ثم الرومان، واحتلها الصليبيون في حملات منها حملة لويس التاسع، وفي العصر الحديث احتلها الإنجليز، الذين أهدوها بموجب وعد بلفور لليهود.
– لقد بنى اليهود مخططهم الاستعماري على أساس التوسع وعدم الاكتفاء بفلسطين، واليهود لا يخفون هذا، فهو مبـيّن في خريطة إسرائيل الكبرى المزعومة من النيل إلى الفرات ومرسومة على جدار الكنيست، مشفوعة بالنصوص الدينية التلمودية، التي تؤكد هذا الحق المزعزم.
– إذا لم يكن في الوجوب الشرعي دافعا كافيا لبعض المسلمين لنصرة الأقصى والقدس وفلسطين، فلا أقل أن يُـتحركوا نخوة العروبة، والنخوة الإنسانية في الصدور.
ثانيا: واجب العلماء
العلماء سبيل هداية حين تحيد الأمة عن طريقِ اللهِ، أمانتُهم الأولى هي التبليغ والبيانُ، وخاصةً بيانً ما يجعل من المسلمين أمةً واحدةً، فقال عز من قائل: ” الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا” (الأحزاب:39). وبعد هذا يأتي واجب الوقوف في وجه الظلم والظلمة.
إن تاريخ أمتنا يزخر ويفتخر بعلماء وقفوا في وجوه الظلمة لما طغوا وتعدوا الحدود وتحدوا الطغاة في زمانهم، نذكر منهم:
– سعيد بن جبير الذي واجه الحجّاج بشجاعة ويقين حتى قتلَه.
– الإمام مالك الذي واجه هارون الرشيد.
– العز بن عبد السلام الذي باع الأمراء في سوق النخاسة لأنهم استولوا على الحكم بلا شرعية.
– تصدى العلماء للتتار من خلال حشدهم المسلمين للجهاد، وتوجيههم للصبر عند ملاقاة العدو، وتقديم الدعم المعنوي والمادي لهم، وكان لهم دور هام في توحيد الصفوف وتجاوز الخلافات الداخلية لمواجهة التتار.
– موقف الشهيد سيد قطب، عندما طلب منه المحقق آنذاك، أن يكتب كلمة اعتذار، واستعطاف لرئيس الدولة، فأجاب بقوة المؤمن الثابت على الحق: “إن السبابة التي ترتفع بشهادة التوحيد، في التشهد في الصلاة، لتأنف أن تكتب كلمة اعتذار لطاغية”، وواجه عقوبة الإعدام، بقلب ثابت وصدر منشرح.
– موقف الداعية زينب الغزالي، حيث هددوها بفصلها عن عملها، وسجنها، ومعاقبتها، لكنها ردت على المحقق بكلمة مُدوية: “لو كان الأمر إليك لركعت بين يديك، ولكن الأمر مرده إلى الله وليس إليك”.
ثالثا: من وظائف العلماء اليوم
إن من أهم وظائف العلماء هي الصدع بالحق، والتذكير والإلحاح على الأمة من أجل الدفاع عن المقدسات وحفظ النفس لعموم الأمة؛ في بلادهم وكل بلاد المسلمين، كالتصدي لحصار المسلمين وتجويعهم، ونُصح الحكام، وأن يكونوا عونا للحاكم على الحق لا على الباطل، ومدافعة العدو، وألا يقروه على السكوت والتواطؤ، وبالأحرى ألا يقروه على تقديم المساعدة للعدو بكل أشكالها.
كما أناط الشرع العلماء وطوّقهم بأمانات عظيمة، وهي:
– أمانة الدين،
– أمانة الشريعة،
– أمانة التبليغ،
– أمانة الأسوة،
– أمانة الشهادة.
وفي زماننا نلح أكثر على دور العلماء في تذكير الأمة بواجبها واستنهاض الهمم للوقوف مع غزة والمسجد الاقصى وكل قضايا الأمة، ومن هذه الوظائف الملحة اليوم نذكر ما يلي:
– تذكير المسلمين بضرورة القنوت والدعاء وفضله.
– تصحيح المفاهيم: مواجهة محاولات طمس الحقيقة أو تزييف الرواية التاريخية والدينية المتعلقة بالاحتلال، وبتاريخ فلسطين.
– إصدار فتاوى النصرة وتحريم التطبيع، ووجوب الإغاثة وتمويل المتضررين.
– التذكير بأن الدفاع عن فلسطين والمسجد الأقصى وجهادها هو واجب شرعي، وإصدار وثائق ومواثيق في هذا الشأن مثل “ميثاق طوفان الأقصى” الذي أطلقته هيئات وعلماء الأمة.
– إحيـاء القضية الفلسطينية ومنع البرود الإعلامي وحالة الاعتياد على المشاهد التي نراها يوميا، عن طريق الندوات والمؤتمرات، ومن ذلك المؤتمر الدولي الذي نظمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بعنوان؛ “طوفان الأقصى ودور الأمة”.
– الحث على الإنفاق والبذل لدعم الصامدين في غزة والمسجد الأقصى، والتذكير بفضل الجهاد بالمال.
– توحيد الصفوف وجمع كلمة الأمة حول القضية الجامعة؛ “فلسطين والقدس”.
خــاتمـة:
العلماء ورثة الأنبياء، وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصدع بالحق، وكلفهم بتبليغ دين الله، وبناء أمّة قوية، لكن آلتْ بهم رحى الحكام الظلمة إلى بناء أمةٍ منكسرةٍ مشتتةً ذليلةٍ منخورةٍ. فوجب عليهم إذن أن ينهضوا للواجبُ العيني الأول في أيامنا هذه، هو نصرةُ المظلومين في غزّةَ والمساهمة في وردّ الظلم عنهم، فأيّ ظلم أبشع من تجويع وتشريد أهلنا في غزة.
فـهل العلماء اليوم أقل شأنا وشجاعةً من المشركين الذين نقضوا الصحيفة الظالمة؛ صحيفة تجويعِ عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأدخلوا لهم الماء والطعام، وذلك حين تحركت الرحم في قلوبهم؟ وهل العلماء اليوم أقل جرأة من علماء السلف الصالح، وعلى رأسهم الأئمة الأربعة رحمهم الله؟.
أليس حريٌّ بهم أن يقتدوا بأسلافهم من علمائنا الذين ثبتوا على الحق، وذبُّوا عن الشريعة، وعن أرواح المسلمين ومُهجهم وكرامتهم.
حسبي الله لا إلـه إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.
والحمد لله رب العالمين.