قد تكون هي الواقعة الأولى التي يرد فيها قائد الانقلاب الدموي الخائن عبد الفتاح السيسي، بشكل مباشر وصريح وعلني، على تصريحات عدوانية لمسئول في الكيان الصهيوني، وذلك برغم تكرار مثيلاتها المثيرة للجدل منذ طوفان الأقصى أكتوبر 2023، وطوال الأعوام الثلاثة الماضية، بحق الدولة والجيش المصريين والوجود العسكري في شبه جزيرة سيناء.
وردا على تصريحات الإرهابي بتسلئيل سموتريتش وزير المالية الصهيوني، لموقع "هشتيفلك"، 5 أكتوبر الجاري وقوله: "لن تكون هناك سيناء إذا تعرضنا لهجوم من مصر"، وأن مصر "لن تهاجم إسرائيل خوفا من احتلال تل أبيب لسيناء مجددا"؛ أكد قائد الانقلاب، الأربعاء الماضي، أن مصر خاضت حرباً تاريخية للدفاع عن أرضها واستعادت كامل أراضيها وانتهى الأمر، قاطعا بأنه ليس لديه أطماع في أراضي إسرائيل، دون أن يشير إلى أنها أرض "فلسطين المحتلة".
وخلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ53 لحرب "أكتوبر 1973"، وفي خطابه الموجه للإرهابي الصهيوني سموتريتش، تساءل السيسي: "من قال لك إننا نريد أن نحارب؟"، قاطعا بالقول: "ليس لدينا أجندة لذلك، أرضنا معنا وحاربنا لأجلها وخلصت"، مضيفا: "لسة هواجس الـ60 سنة الأخير موجودة وأنني لدي مطمع في حاجة عندك".
ومن الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية، تابع: "أنا مطمعي شيء واحد أن أحافظ على بلدي وحدودها وأرضها"، مؤكدا أنه "طالما أننا نحترم أراضي بعضنا البعض ليس لدينا أجندة خفية نجهزها، ولا لدى أي أحد في الشارع المصري"، مشيرا إلى أن "هناك معاهدة سلام بيننا وليس لدينا أية مطامع في أرضهم".
والخميس، وخلال حضوره احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين، بدا قائد الانقلاب أكثر انبطاحا في الحديث عن رئيس حكومة الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، كاشفا عن بعض كواليس لقاءاته واتصالاته السابقة ورده على سؤال الأخير حول أسباب تسليح الجيش المصري.
أكد قائد الانقلاب أمام ضباط وزارة الداخلية أنه رد على نتنياهو بقوله: "عمري ما شفت قوة إسرائيل تهديداً لي، وأنت كمان محتاج تتعامل معانا على إن قوة مصر مش تهديد ليك".
وانتقد معارضون مصريون رد العميل الخائن قائد الانقلاب وبـ"ابتسامة عريضة، ولغة مستكينة ودودة"، وفق وصف الناشطة شرين عرفة، واعتبروه ردا "مهادنا"، و"لا يرتقي إلى حجم خطورة تصريحات الوزير الإرهابي الصهيوني والتي تعني أنهم مازالوا في تل أبيب يحلمون باستعادة السيطرة على سيناء"، متعجبين من أنه "رد يحمل رسائل طمأنة للصهاينة، برغم ما يعلنه قادتها وبينهم نتنياهو عن أطماعه في مصر وسيناء".
وفي قراءتهم لرد قائد الانقلاب الذي أفردت له الصحف العبرية مثل "يديعوت أحرونوت"، و"معاريف"، و"I24 news"، مساحة واسعة من التعليق، قال صهاينة إنه أكد أن "مصر لا تريد الحرب"، وأنه "فضل عدم الدخول في صراع تصريحات"، وأن "رده كان هادئا"، وجاء على عكس المتوقع.
تحريض دائم وصمت القبور
وتأتي تصريحات الإرهابي سيموتريتش، متزامنة مع حملات تحريض سياسيين ومسئولين صهاينة ضد مصر، تجاه ما وصفوه بـ "إعادة تسليح وتغيير الواقع العسكري في سيناء".
وفي أغسطس الماضي، دعا الجاسوس (الصهيوني-الأمريكي) السابق جوناثان بولارد، وفي تصريح لقناة "ILTV" الصهيونية، تل أبيب إلى الاستعداد لمواجهات عسكرية جديدة مع مصر وتركيا، معتبرا أن البلدين قد يشكلان "الجبهة القادمة" بعد إيران، ويمثلان التهديد الاستراتيجي القادم لإسرائيل من الشمال والجنوب.
وفي مايو الماضي، حذر رئيس الموساد الأسبق إفرايم هيلفي، من حالة الجمود السياسي والتراشق بين القاهرة وتل أبيب، مشيرا إلى أن الانتشار المكثف للجيش المصري ودخوله في حالة استنفار مستمرة بالمنطقة (ج) في سيناء جعل هامش المناورة الأمني الإسرائيلي معقدا، ويتطلب مراجعة شاملة لبروتوكولات السلام الأمنية منعا لأي احتكاك أو تصعيد غير محسوب.
وعلى الأرض، تسيطر قوات الاحتلال على محور "فيلادلفيا" على الحدود المصرية مع قطاع غزة منذ 29 مايو 2024، وأعلنت في نوفمبر 2025، تحويل الحدود مع مصر إلى منطقة عسكرية مغلقة، واتخذت إجراءات عسكرية جديدة خطيرة قرب حدود شمال سيناء، ما اعتبره محللون بأنه "تدرج في بناء بنية أمنية جديدة يهدد الأمن القومي المصري".
وفي ظل صمت مصري تام، يبني العدو الصهيوني قاعدة عسكرية جديدة منذ يوليو الماضي على أنقاض القرية السويدية الفلسطينية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بالقرب من ساحل البحر المتوسط وعلى مسافة 70 مترا فقط من الحدود المصرية لشمال شبه جزيرة سيناء.
كاشفة عن أولويات السيسي
واعتاد قائد الانقلاب الحرص على ود الاحتلال، واستخدام لغة ناعمة معهم برغم حديث سموتريتش التهديدي بحق سيناء، والظهور في صورة الذليل في حديثه مع نتنياهو، وتأكيده أنه لا مشكلة مع "إسرائيل"، وأنه لا يراها تهديدا، واعترافه بأن تلك "أرضهم" وليست أرض فلسطين المحتلة، وما يعكسه ذلك عن عقيدته وعقيدة الجيش المصري القتالية، وتأثير ذلك على رؤية المصريين للاحتلال كعدو تاريخي.
وتعكس مثل هذه التصريحات ترتيب الأولويات لدى السيسي؛ فهو يتعامل مع العلاقة مع الكيان الصهيوني باعتباره أحد مرتكزات استقرار نظامه وموقعه الإقليمي، بل ينظر إليه على أنّه أداة تثبيت الحكم لديه، معتقدا أن رضا الصهاينة والأمريكان هما ساقاه التي يسير عليهما نظامه، ولذلك يحرص على احتواء التوتر معهما حتى عندما تصدر عن مسئولين صهاينة تهديدات تمس الأرض المصرية؛ ومن هنا تأتي المفارقة: مسئول صهيوني يلوّح بمصير سيناء، بينما ينصرف الرد إلى تأكيد أن مصر لا تريد الحرب ولا تضمر نيات عدائية".
والمشكلة أن يكون التهديد من العدو باحتلال سيناء بينما هناك انبطاح وطمأنة مستمرة من قائد الانقلاب الذي يطلق التهديدات فيستخف العدو به ويتمادى في تهديد أمن مصرالقومي ومصالحها الاستراتيجية، خاصة وهو فعلا يتحكم في الكثير منها بشكل مباشر كالغاز أو غير مباشر كسد النهضة، وملفات أخرى.
ومن الواضح أن هذا ما يفسر المبالغة في إظهار الاطمئنان إلى العلاقة؛ فالسلطة التي تستند إلى تفويض شعبي حر تستطيع التفاوض وهي تحمل وراءها قوة المجتمع، بينما السلطة التي تضيق بمجتمعها تصبح أكثر احتياجًا إلى الاعتراف والدعم من الخارج، وهنا تتراجع قدرة مصر على توظيف وزنها، لأن حسابات نظام الانقلاب تتقدم على إمكانات الدولة.
تصور قاصر لحجم الصراع
وتتجلى الخطورة هنا في اختزال الصراع بمسألة الحدود المصرية المباشرة؛ وكأن استعادة سيناء تكفي لإغلاق ملف الخطر الصهيوني على مصر؛ وهذا تصور قاصر للأمن القومي؛ لأن ما يحدث في فلسطين يؤثر في مصر، ومستقبل غزة وتوازن القوة على حدودنا الشرقية ليسا شأنًا أجنبيًا يمكن عزله عن مصالح مصر، كما أن العدو الصهيوني يعبث بأمن مصر القومي بكل الاتجاهات .
وتتفاقم المأساة عندما يستخدم قائد الانقلاب تعبير "أرضهم" ويقصد هنا العدو الصهيوني المحتل، ويبقى السؤال الأساسي: لماذا تحضر طمأنة العدو بهذه القوة، بينما لا تقترن بالوضوح نفسه في تحديد ما ستفعله مصر عندما يهدد العدو الأمن القومي لمصر وينتهك حقوق الفلسطينيين .
وبرغم انبطاح قائد الانقلاب أمام العدو الخارجي نجد تحذيرا متكرر وتخويفا وإرهابا للمصريين من اضطراب المجتمع وهو ما يكشف عن عقل سياسي يمنح خطر التغيير الداخلي أولوية متقدمة عن الخطر الخارجي،
ومن مخاطر انبطاح قائد الانقلاب أن هذه التصريحات تكشف عن التوجه السياسي الذي يريد تقديمه للمؤسسة العسكرية وللمجتمع وهو اعتبار المواجهة الخارجية ملفًا جرى احتواؤه، وإبراز التهديد الداخلي بوصفه الخطر الأكثر إلحاحًا، وهذا يطرح سؤالًا جديًا عن توظيف المؤسسة العسكرية وحدود انشغالها بحماية المجال السياسي القائم.
الخضوع للصهاينة وخذلان الغزيين
وتفتح ردود السيسي، وحديثه الودي عن نتنياهو، الباب حول علاقته بكيان الاحتلال منذ دعم تل أبيب له في المحافل الدولية إثر انقلابه العسكري على الرئيس الشهيد محمد مرسي منتصف 2013، إلى خذلانه 2.1 مليون فلسطيني في غزة وتآمره على القطاع، ومشاركته الصهاينة في العداء للمقاومة الفلسطينية خلال حرب الإبادة الدموية على القطاع مدة عامين.
واعترفت مرارا سلطات الانقلاب والكيان الصهيوني بوجود تنسيق أمني واستخباري على أعلى مستوى بمواجهة المقاومة الفلسطينية وخاصة بملف الأنفاق والحدود، إضافة إلى ما أثير عن تحذير الرئيس السابق لمخابرات الانقلاب عباس كامل، لتل أبيب من عملية "طوفان الأقصى" قبل حدوثها، بجانب الصمت على التحرك الصهيوني على الأرض الفلسطينية وبمحاذاة الحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ودون اعتراض.
كما أنه وطوال فترة الحرب التي امتدت لعامين على قطاع غزة، نقلت صحف ووسائل إعلام غربية مثل "بي بي سي"، و"رويترز"، و"لوموند" و"الجارديان" اتهامات وانتقادات فلسطينيين ومنظمات حقوقية، لسلطات الاحتلال حول فرض مبالغ مالية باهظة تراوحت بين 5 و10 آلاف دولار على عبور الفلسطينيين العالقين والمرضى من معبر رفح البري (المنفذ الوحيد للقطاع إلى العالم).