لم يكن هناك ما ينبئ بأن شيئًا غير عادي قد يحدث.. أو بأن أقسى ابتلاء سيواجه خالتي الشابة الدمثة.. أو بأن طفليها الصغيرين سيصيران في أقل من لحظة يتيمين!

 

فقد تناول زوجها طعامه كالمعتاد، وصلَّى العشاء في بيته بعد أن عاد مرهقًا من عمله المسائي، وقال لها وهو يطوي سجادة الصلاة: "ربنا يسامحني.. اندمجتُ في العمل ولم أصل اليوم في المسجد".

 

حملت هي الصحون وتوجهت إلى المطبخ.. وقبل أن تضعها في الحوض سمعت صوت ارتطامٍ بالأرض.. هرولت لتجد شريك حياتها مُمددًا بلا حِراكٍ.. في دقائق كان الطبيب بالبيت قلَّب كفيه وقال في استسلام: "شدي حيلك.. البقاء لله"!.

 

قبلها بأيامٍ عزيتُ صديقتي في وفاةِ زوجها الذي سقط على أرض الحمام أثناء وضوئه وترك طفليه، الكبير ذا السنوات الثلاث والصغير الذي لم يكن قد مرَّ على ولادته أيام بعد أقل من شهر صلَّى زوجي الجنازة على جاره الذي التقاه في الصباح وحيَّاه على السلم والاثنان متوجهان إلى عملهما.

 

كان السؤال الذي يدق رأسي عقب كل عزاءٍ ماذا كان آخر ما قاله الزوج لشريكةِ حياته قبل أن يُسلِّم رُوحه لبارئها؟ هل مات راضيًا عنها أم غاضبًا عليها؟

 

أندهشتُ من نفسي وصارحتُ زوجي بما يشغلني فابتسم قائلاً: فضول صحفي!

 

ولم يكن الأمر مجرَّد فضول كانت أسئلتي مشفوعة بخوفٍ وتوجسٍ شديدَين.. ويقين أشد.. عرفتُ لماذا حذَّر الرسول- صلى الله عليه وسلم- الزوجةَ من أن يبيت زوجها غضبانًا عليها، وعرفتُ لماذا بشَّر مَن تموت وزوجها راضٍ عنها بالجنة.. وانقبض صدري وأنا أتخيل أن نختلف وأن زوجي يحتد ويمضي من أمامي ويسحب الغطاء على رأسه وينام، ولا يصحو ويصبح من المحال أن أسترضيه أو أرى ابتسامةَ الصفح على فمه، ونظرة التسامح في عينيه.

 

لم أسأل ممن عزيتهن عمَّا يشغلني، احتفظتُ لنفسي بالحيرة واستعذتُ بالله من أجل أن أتدخل فيما لا يعنيني، وحدث بعدها تغيير غريب في حياتي، صرتُ إذا نام زوجي وأنا مشغولة ببعض أعمال المنزل أترك ما في يدي وأذهب إلى فراشه وأراقب أنفاسه لأتأكد من أنها تصعد وتهبط بانتظام.. أصبحتُ إنْ تأخَّر قليلاً عن موعد عودته من عمله أجلس مرتجفة بجوار باب الشقة وكأنني أنتظر مَن يُنقل أي ما لا أتمنى أن أسمعه.. وصارت دعابة زوجي المفضلة كلما هممتُ بالحديث معه أن يضع يده على فمي، ويقلدني قائلاً: "راض عني يا حبيبي" ويغرق في الضحك فقد صرتُ ألحُّ عليه بهذا السؤال كثيرًا منذ عشتُ مشاعرَ الصدمة بعد وفاةِ ثلاثة أزواج في غضون شهر، وهم لا يشكون من شيء أو تستشعر زوجاتهم دنو الأجل، وكانت الحسنة الوحيدة في هذه المشاعر القاسية أنها نبهتني إلى حكمته وبلاغته (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم)، وجعلتني أكثر حرصًا على إرضاءِ زوجي وخلصتني من بقايا كبرياء كانت تدعوني أحيانًا للمكابرة حين أُخطئ في حقِّه دون أن أشعر بأنني وقتها قد ارتكبت جرمًا، أو أتخيل أنه قد يلقى ربه غاضبًا عليَّ.

 

صار الاعتذار يسيرًا بعد أن كان يتعثر على لساني ويضل طريقه: أصبح استرضاء زوجي متعة بعد أن كان مجرَّد واجب.. أصبح استيقاظ زوجي من نومه وعودته من عمله سالمًا أروع لحظات حياتي بعد أن كانا موقفين عاديين أعيشهما بمشاعر محايدة وبشكلٍ رُوتيني ولسان حالي يقول: طبيعي أن يستيقظ وطبيعي أن يرجع إلى بيته بعد انتهاء عمله.. صار صوته أحب إلى أذني من ذي قبل.

 

وأصبحت كلما رتَّبتُ مكتبه أو أعددتُ طعامه أو ملابسه أدعو الله ألا يحرمني هذا الجهد الجميل الجهد الرائع الذي يدل أن زوجي ما زال معي.. وما زالت أنفاسه تتردد في صدره وما زال يروح ويجيء.

 

مشاعر لم أشأ أن احتفظ بها لنفسي، بل اعتبرتُ نقلها إلى كل زوجةٍ أمانة ومسئولية، فما أروع أن تبيت المرأة كل يومٍ وزوجها قرير العين بها وراضٍ عنها، حتى إذا اختاره الله كان رضاؤه عنها تخفيفًا لقليلٍ من أحزانها، وما أجمله ألا يكون آخر إحساس في صدر الزوج قبل أن يحين أجله غاضبًا من زوجته أو ضيّقًا من بعض تصرفاتها!

 

وما أجدر كل زوجة مسلمة عرفت طريقها بأن تتوقع كل لحظةٍ أن زوجها سيُفارقها فلا تستسلم لمشاعر التوجس ولا تسأل نفسها: كيف سأتصرف من بعده.. بل تحبه أكثر، وتبذل أقصى جهدها لكي تملأ نفسه بأحاسيس الرضا والسعادة، وتستسصغر الخلاف، وتجمد لحظات الود والصفا ولا تدعها تمر تتحرى إرضاءه وتخاصم كل ما يسيئه منها.

 

كثيرات شقيات من أزواجهن وبهم نعم، وقد لا يستطعن إلا أن يتمنين أن يُفرِّق الموت بينهم، ولكنني أُوقن أنهن يندمن بعد أن تتحقق الأمنية ويشتقن إلى أيام الرفقة ويرددن بصوت حزينٍ مثلاً شعبيًّا لم أدرك بلاغته إلا مؤخرًا (جفاؤه ولا خلو داره)، كما لم أدرك كم كنت متسرعةً حين اتخذت موقفًا معاديًا من قولهن: "ظل رجل ولا ظل حائط"، واعتبرته مثلاً مهينًا محقرًا للمرأة، فظل الحائط لا يمنح الإحساس بالأمان، ولا يمتع بالأنس ولا يزيل مشاعر الوحدة والسكون القاتلين، ظل الحائط ليس كائنًا تنتمي المرأة إلى بيته وتصبح معه عضوًا في أسرة وليست شيئًا معلقًا في الفضاء.. ظل الرجل شريك والمرأة الغبية هي التي تُفرِّط فيه ولا تحتمي به من هجر الوحدة والندم بعد فوات الأوان، حتى لو كان شريكًا مخالفًا.