حينما يحتدم خلاف بين شريكي حياة ويتراشقان بالاتهامات، ويتباريان في رصد الأخطاء وتقصي العيوب، ويستفرغان معًا شحنة الغضب، وينزعان فوهة الزجاجة التي كادت تنفجر من كثرةِ ما عُبِّئت به من بخار الإحساس الوهمي بالظلم والشعور المبالغ فيه بالتعاسة، يُغادر كلٌّ منهما الآخر ويخلد إلى نفسه، ويستعيد ما ضايقه من شريكه فيجد الزوج نفسه يقول بتلقائيةٍ شديدة، وربما تلألأت على وجهه ابتسامة خجلى: لكنها على أيةِ حال مُدبِّرة، ونظيفة، وأحسن حالاً من غيرها، وتقول هي: والله طيب ولا مطالب خاصة له، وبيته وعياله كل همه.
وتستمر الحياة وتستأنف دورتها من جديد، ويجد الزوجان نفسيهما وكأنهما ارتبطا معًا بحبلٍ سري وتكيَّف كلٌّ منهما مع عيوب الآخر، وربما تناسى ميزاته!
وفي "لكن" التي نستدرك بها بعد أن نُكرر السعادة السحرية؛ لأننا بعدها ننصفهم بذكر ميزاتهم، تلك التي أنكرناها والخلاف يحتدم، وألغيناها ونار الغضب مشتعلة، وتذكرناها حين هدأ الخلاف وانطفأت النار فواصلنا الحياة ربما أكثر قناعةً بها من ذي قبل.
تركيبة نفسية غريبة تحكم علاقاتنا مع مَن تظللنا معهم أسقف واحدة، وتحمينا ذات الجدران، فالغضب يحرمنا الموضوعية والإنصاف، ويجعلنا لا نرى فيهم سوى كائناتٍ بشعة تجمَّعت فيها كل عيوبِ البشر وتآمرت علينا لتسلب منا حظنا من الهناءِ والراحةِ والسعادة، ولا يحمينا من أنفسنا إلا أن نهدأ فنتذكر أن باقي الثوب أبيض ناصع، وأن البقع والثقوب لم تملأه كله فثمة مساحاتٍ محتفظة بنقائها ورونقها، ووسط ركام النقائص هناك صفات حلوة رائعة يغبطنا عليها كثيرون ولا نراها نحن في شركائنا إلا لمامًا.
والطامة الكبرى أن تتأخر لحظة العودة إلى النفس وتذكر الميزات، تتأخر ولا تأتي إلا بعد أن ينقضي الأمر، ويحدث أبغض الحلال وتجلدنا سياط الندم والإحساس القاسي بأننا كم كنا أغبياء حين استسلمنا لشيطان الشقاق، وفرطنا في كنزٍ غطَّاه بعضُ التراب، وما كان علينا إلا أن ننفضه عنه لنغترف منه وفقًا وودًا وسكينةً ورحمة، ولكننا لم نفعل، ولم يعد بوسعنا أيضًا أن نفعل!
ولنجرب معًا إذا اتسعت هوة الرفض والندم على الاختيار طريقة الجدول التي ابتكرها عالم نفسي فرنسي يدير مكتبًا للاستشارات الأسرية، وتعتمد هذه الطريقة على أن يخلو كلٌّ من الشريكين لنفسه حين تتعمق الفجوة بينه وبين شريكه ويرصد عيوبه وميزاته بحياد وموضوعيةٍ في جدول، وسيشعر حتمًا بالدهشة حين تمتلئ خانة المميزات قبل العيوب، فيخرج من خلوته راضيًا مستبشرًا، وقد جربتُ أنا بنفسي هذه الوسيلة، وتأكدت من نجاحها وصارت بعد الله سبحانه وتعالى عونًا لي في لحظات الخلاف التي لا يخلو منها بيت، ولا تفتقر إليها حياة مشتركة، فصار منهجي في تقييم زوجي قول الشاعر:
ومَن ذا الذي ترضى سجاياه كلها بحسب المرء فخرًا أن تعد معايبه
وما دامت العيوب ليست جرائم أخلاقية ولا تمس نزاهة اليد، أو طهارة الجسد، أو تدنس الروح، فالأمر هين ومقدور عليه، وما زلت أذكر ما قاله استشاري في العلاقات الأسرية لزوجة حين ذهبت إليه تطلب منه أن يتوسط في طلاقها من زوجها، وظلت تتحدث عنه غاضبة وتعدد عيوبه، ومع كل جملة تتوقف لتؤكد تصميمها على الطلاق، لقد قال لها: خذي هذه الورقة وأجيبي عمَّا فيها، وعودي إليَّ بعد ثلاثة أيام، وكانت الورقة استبيانًا يكشف للزوجة ما خفي عنها أو تعمدت هي تجاهله من ميزاتِ زوجها، وذهبت المرأة ولم تعد مرةً أخرى!
إن السعادة الحقيقية ليست في أن نحيا مع بشرٍ بلا عيوب، فهذا في حكم المحال ولكن في أن نعرف كيف نتقبل عيوب رفقائنا، ونعينهم عليها بذكاءٍ وحكمة وروية، وندرك أن كل جهدٍ نبذله في التكيف ومحاولة الإصلاح إن لم يؤتِ ثماره فقد نالنا منه الأجر وشرف المحاولة، وندرك أيضًا أننا لسنا بملائكة، ومن الكرم الأخلاقي أن نكون منصفين ونحن نزن شركاءنا بميزان العيوب والميزات، فنزن أنفسنا أيضًا لنكتشف أنهم يتحملون منا ما نتحمله منهم، وربما أكثر، فلكل زواج ابتلاؤه والنفس الكريمة تدرك ذلك فتخفي النقص، وترتق المزق وتحتوي العيوب الصغيرة، وتجعل من "لكن" ملاذًا لها تحقق بها المعادلة، وتُعيد للميزان إما اعتداله أو رجحان كفة ميزات الشريك فيه على كفة عيوبه.