فيم أحتاج الرجل؟ كان هذا تساؤلنا الذي تخرس به ألسنة كل مَن يسألونها عن سرِّ عدم زواجها، على الرغم من بلوغها الثلاثين، ولم تؤثر ألسنة المتسائلين الصمت اقتناعًا بردها، وإنما اندهاشًا واستنكارًا وإيثارًا للسلامة، فقد كان تساؤلها الساخر يأتي من فمها المفتوح عن نصف ابتسامةٍ مستهزئةٍ وبلهجةٍ حادةٍ زاعقة.

 

والمتأمل لحياة وطفولة ابنة أختي يُدرك سبب رفضها الزواج، بالرغم من جمالها وثقافتها وقد يلتمس لها العذر ويعاملها كضحيةٍ مجني عليها، وربما ألقى باللوم على والديها، اللذين فشلا في إقناعها بالزواج، وقد كان من بين المتقدمين لها مَن لا يوجد سبب لرفضهم.

 

كان زوج أختي وحيد والديه، ويمت لأسرتنا بصلة قرابةٍ بعيدةٍ، وطالما زارنا والداه ونحن أطفال وهو بصحبتهما، فكان مع أشقائي ويتعرَّض لمقابلتهم وسخريتهم منه، لفرطِ هدوئه وحيائه وصوته الخفيض الذي لا يكاد يُسمع.

 

وعندما تقدَّم للزواج من أختي، قالت أمه لها: أتمنى لكما الهناء، وأرجو أن يخاوي الله ابني من ظهره، أي يرزقه ابنًا من صلبه يكون بمثابة أخ له، وظلت حماة أختي طوال فترة حملها الأول تعاملها  وكأنها هي التي خلقت طفلتها، وفُوجئت بموقف زوج شقيقتي، فقد أصرَّ على أن يُسمي ابنته اسمًا مشتركًا بين الجنسين، ولم يشتر لها ملابس البنات إلا نادرًا وتحت إلحاحٍ شديدٍ من أختي.

 

كان يعاملها منذ صغرها بجديةٍ مبالغٍ فيها، ويضعها في مواقف صعبة ليختبر صلابتها، وعندما كانت أختي تلومه كان يرد عليها بحزنٍ واضح، دعيني أربيها على الاعتماد على نفسها، فليس هناك رجل تستند عليه تشفق عليه زوجته، فتقول له بحب: أبقاك الله لها، ويرد هو متنهدًا يا عالم!! وكثيرًا ما ناقشه زوجي في أسلوب تربيته لابنته، ولكنه كان يصر أنه على صواب، لدرجة أنه أهدى ابنتي دميةً كانت قد أُهديت لابنته بحجة أن الدمية لعبة رقيقة، وهو يفضل أن تلعب ابنته بالكرة والمسدس والألعاب النارية!

 

وظل أمر ابنة أختي فزاد داخله اليقين بضرورة أن يجعل شقيقتهم الكبرى رجلهم البديل، ولم أشعر يومًا ما باستياء الابنة من معاملة أبيها، وكأنها كانت مهيأة؛ لأن تصبح رجلاً لا فتاة، حتى عندما ارتدت الخمار قالت باسمةً: بصراحة هذا الزي يوفر الوقت خاصةً لمَن يعشقن المرأة ولسن شغوفات بالتزين وتصفيف الشعر! وعلى العكس الابنة الكبرى كانت شقيقاتها رقيقات جدًّا فيهن سمت الأنوثة، فقد ربَّاهن أبوهم على أنهن بنات بعد أن أقنع كبراهن بأنها رجل!

 

وشبَّت الابنة، وتخرَّجت في الجامعة، ثم التحقت بكلية الشرطة وسط مباركةِ أبيها لاتجاهها وحزن شقيقتي التي لم تستطع أن تفعل شيئًا إزاء إصراره على موقفه، فاستعانت بالصبر، خاصةً وقد لمست رضا ابنتها بما يفعله أبوها! أبعد كل هذا يمكن أن تطمح هذه الفتاة الرجل إلى الزواج؟! أظن أن الاحتمال ضعيف جدًّا فهي تشعر بأنها رجل، والرجل لا يتزوج رجلاً، والتكامل بين جنسين مختلفين هو محور حكمة الزواج، كما تفرَّد بها الإسلام، فلكلٍّ دوره ومهامه، وكلاهما يسد ثغرةً ويؤدي مهمةً، والاستغناء عن أحدهما، كسر لأحد جناحي المجتمع لا زالت ابنة شقيقتي على رفضها، ولا زلتُ أُشفق عليها وأحنق على أبيها، فخطؤه في حقِّها اغتال فطرتها، وجعلها مكتفيةً بذاتها، تعشق حريتها التي سيضبطها الزواج، وترى نفسها أقوى من أن تعتمد على رجل! إنها ثمرة فاسدة لشجرةٍ زُرعت في غير أرضها، ونتيجةً طبيعيةً لعدم الرضا بقضاء الله، ومحصلة بديهية للي عُنق الفطرة.

 

والحقيقة.. بناتنا بنات، ويجب أن يُعاملن كما خلقهنَّ الله، والمجتمع المسلم كفيل بحماية نسائه-إذا عُدمن الرجال! وإذا ربينا نساءنا على الاكتفاء بذواتهن انقطع عمار الأرض وانشطر المجتمع إلى نصفين، نساء مسترجلات، ورجال منحرفين، وانطمست بينهما حكمة خلق البشر من جنسين مصدرهما نفس واحدة، زوجها الله ليبث منها البشر جميعًا، فلماذا نُجرم في حق بناتنا ونحولهن إلى شبيهاتِ رجال يرقصن على سلم الندم فلا يصعدن إلى مرتقى الإسلام زوجات وأمهات، ولا يهبطن إلى مستنقع الداء الزائف وحيدات منبوذات؟!