الطلاق كلمة أصبحت من أسهل ما يكون، تُطلقها الألسنة في سهولةٍ ويُسر، ولكنها تخرج كقذيفة المدفع تُدمِّر كلَّ مَن يقف في طريقها.

 

وقد يكون وراءها سببٌ تافهٌ لا يستحق، وقد أوضحت الدراسات تزايد نسبة الطلاق في العالم العربي والإسلامي إلى واحدةٍ من كلِّ ثلاث زيجات حتى في المجتمعات المحافظة، وعلى رأسها دول الخليج.

 

وتصل النسبة من 40 إلى 45% من حالات الزواج في شهورها الأولى تنتهي بالطلاق، وتتراوح نسبة الطلاق في العالم العربي من 33% إلى 35%، وفي بعض المناطق تصل إلى 60%, ووصلت نسبة الطلاق في أول سنتين من الزواج إلى 66%، وتعد ماليزيا أقل دولة إسلامية في نسبة الطلاق حسب الإحصائيات، فقد قلَّت النسبة عن العام الماضي 7% والتي بلغت نسبته 32%؛ وذلك بسبب الاهتمام بإعطاء المتزوجين دورات متخصصة عن الزواج وتربية الأبناء وتحمُّل المسئولية حتى يتم تعليم الرجل فنون الطهي.

 

ولأن الطلاق يُكلِّف الدولة مبالغ طائلة، وكذلك يؤدي إلى تدمير الأسرة وضياع الأبناء وزعزعة أركان المجتمع؛ كان الاهتمام في هذا التحقيق بتوضيح بعض النماذج الإيجابية للأزواج الذين تمسكوا بحياتهم الزوجية وحافظوا على أبنائهم برغم كل شيء، ومرَّت حياتهم هادئةً ومستقرةً بسبب عدم استسلامهم للمشاكل والخلافات.

 

تحدي الظروف

تقول أم جميلة: لقد كانت ظروف زواجي صعبة للغاية، وعانيتُ أشد المعاناة مع زوجي وأهله، وكانت المشاكل لا تنتهي بيننا ولم يكن لزوجي الموقف الإيجابي الذي كنت أنتظره، ولكني كنتُ أتوسم فيه الخير والطباع الطيبة، وقررتُ التغاضي عن أي مشكلاتٍ أخرى حرصًا على مستقبل الأسرة وسعادة الأبناء على الرغم من إحساسي بالظلم في أوقاتٍ كثيرة، ولم يقف دوري في الحياة على كوني زوجةً وأُمًّا فقط، بل قررتُ أن أبحث عن نفسي، وأن أكتشف قدراتي وأوظفها فيما ينفعني ويسعدني، وبالفعل وصلت إلى مركزٍ مرموقٍ في عملي، وحصلتُ أيضًا على الدكتوراه في تخصصي العلمي، وهكذا حولت حياتي التي كان من المتوقع أن تنتهي بالطلاق إلى حياةٍ مثمرةٍ وبنَّاءة؛ لأني لم أنتظر السعادة ممن حولي، بل بحثتُ عنها بداخلي، وقررتُ أن أسير في حياتي بمنهج العطاء لا الأخذ، حتى ولو لم أجد مقابل لذلك، وقد علمتُ أبنائي حُبَّ الخير للجميع وحب الحياة والإحساس بالسعادة والراحة النفسية مهما تكالبت عليهم المشكلات.

 

لا للفشل

ورفضت هناء م 30 سنة الطلاق وقاومته بكل قوتها؛ لأنها كما تقول لم تتزوج كي تفشل؛ ولأنها مرَّت في حياتها الأسرية بمشاكل وصعاب عانت منها كثيرًا وأثَّرت عليها، ولكنها جعلتها أقوى في مواجهة تقلبات الحياة؛ ولذلك قررت أن تبني حياةً سعيدةً، وتُحافظ عليها؛ ولذلك صبرت على طباعِ زوجها ولم تعد تشكو منه ولا تتضجر من تصرفاته القاسية عليها وعلى الأبناء إلى أن هداه الله، وشعر بقيمة الأسرة المستقرة السعيدة، وحاول بالفعل تغيير طباعه ولم ينسَ لزوجته وقوفها بجانبه وصبرها عليه، وقدَّر لها حرصَها على استمرار الأسرة.

 

رفقًا بالقوارير

أما محمد علي 37 سنة فيقول: تزوجتُ منذ 7 سنوات، وكنتُ أعيش حياةً هادئةً مع والدي وإخوتي؛ ولذلك لم أتعود على عصبية زوجتي ورد فعلها العنيف تجاه أبسط الأمور، ولأني كنتُ هادئًا في مواجهة الأمور فلم أقسُ عليها، وقدرتُ لها بُعدها عن أهلها ودخولها في حياةٍ جديدةٍ وتحمُّل مسئوليات كثيرة، وكذلك اختلاف الطباع بين الزوجين وصعوبة السنوات الأولى في الزواج؛ ولأن الرجل له دورٌ كبيرٌ في الحِفاظ على الأسرة وحمايتها، وكذلك عملتُ بحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "رفقًا بالقوارير"، وهي الآن أصبحت أُمًّا لثلاثة أبناء، وقد هدأت طباعها كثيرًا، وكانت الحياة كفيلةً بأن ننسى أي مشكلاتٍ أو خلافاتٍ كانت بيننا.

 

الزواج والصحة النفسية

ويوضح د. حمدي يس- أستاذ الصحة النفسية وعلم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس- أن الصحة النفسية للمتزوجين كي تتحقق فإن لها مقومات من أهمها توافق الزوجين، وهذا التوافق يحتاج إلى نضجٍ عقلي وشخصي واجتماعي ونفسي، ويحتاج إلى قدرة على التحكم في النفس وكذلك التمتع بإرادة قوية للغاية.

 

فلكي تستمر الحياة الزوجية هادئةً ويشوبها الود والاحترام والإحساس المتبادل بالآخرين فإنه لا بد لكلا الزوجين أن تكون لديهما القدرة على الفصل بين الأوجاع والضغوط والآلام الشخصية بحيث لا تخرج من صندوق الأسرار والخبايا التي يود كل منهما أن يحتفظ بها بعيدًا عن نفسية الأبناء والتأثير على تكوينهم وسعادتهم وراحتهم النفسية.

 

 الصورة غير متاحة

 

فإذا لم يُدرك الزوجان مدى ذكاء أطفالهم وهم يراقبون مشاجراتهم ويلمحون كل لحظة خلاف أو غضبٍ يمرون بها فإنهم بلا شك يجب أن يتوقفوا عن هذه المشاحنات والمشاجرات أمام أبنائهم وهم في سن النمو والتطور بشكلٍ عام من الطفولة إلى المراهقة ثم الشباب، وبداية حياة جديدة مع شركاء آخرين قد تكون للأسف مشحونةً بنفس الطباع السلبية التي عاشها الأبناء.

 

ويضيف د. حمدي أنه يجب على الآباء أن يعلموا أن الحياة الزوجية الهادئة والناجحة والمستقرة تحتاج إلى حكمةٍ عاليةٍ وذكاءٍ واضحٍ واتفاقٍ مسبقٍ بين الزوجين على وضع أهداف محددة وكيفية تحقيق هذه الأهداف، ولا بد من وضع خطوطٍ حاكمةٍ لا يتجاوزها كل منهما أثناء الخلاف أو المشكلة، ولا يعني هذا أن الحياة ستسير بلا مشكلاتٍ أو منغصاتٍ، وأن يتكلف الزوجان إظهار السعادة بينما تعشش التعاسة والخصام فيما بينهما؛ لأن هذا يعد تزييف وعي الأبناء والاستهانة بإحساسهم ومشاعرهم حتى يُفاجأ الأبناء بوصول سفينة الحياة إلى نهاية غير متوقعة، وهي رغبة أحد الأبوين أو كلاهما في الطلاق، فهنا لا بد أن نُدرك وجود نقصٍ معرفي ووجداني وأخلاقي واجتماعي ونفسي في شخصية الطرف الذي طلب هذه النهاية المدمرة للأسرة والأبناء.

 

طريق السعادة

ويؤكد د. حمدي أن الحياة تحتاج إلى ضبطٍ عالٍ للنفس وتحكم شديد في اتخاذ القرارات الصائبة التي تصبُّ في صالح الأسرة والأبناء، وكذلك إلى ذكاءٍ وجداني وأخلاقي ومعرفي وضبطٍ للذات وإدراك الجميل وغض الطرف عن القبيح وتيسير الأمور حتى تصل الحياة إلى مستوى من الهدوء والسكينة والتفاهم؛ مما يتحقق معه الهدف من الزواج وكونه آية من آياتِ الله- عزَّ وجل- لا ينبغي إهمالها أو عدم التفكر فيها.. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾ (الروم).

 

وحتى تتحقق على الأقل درجة من درجات الاتفاق والائتلاف في ظل ثقافات تنظر للخلافات على أنها اختلافات فلا نكاد نجد أو نشعر بهذا الاتفاق على أي من مستويات الحياة سواء الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي فبات الكل يشعر أن الحياة أصبحت غابة يسيطر فيها القوي على الضعيف.

 

وتستطيع الأسرة أن تصل إلى تحديد إيجابيات الحياة ووضعها في إستراتيجياتٍ لتحقيق السعادة، وعلى الزوجين أن يتمتعا بنضجٍ عقلي ونفسي، وأن يكونا على درجةٍ من الاستقرار والثبات ودرجةٍ من ضبط الذات ووعي بالذات، والتقييم المستمر للذات، وأن تكون نسبة الأمل عندهم في نجاح الحياة وسعادتها عالية بمعنى أن يكون لديهم يأس من اليأس.

 

وفي النهاية لكي يتمتع الإنسان بصحةٍ نفسيةٍ جيدة أن يكون متفائلاً متدينًا له ثوابت يحافظ عليها, لسانه لا ينطق إلا العفيفَ من الكلام وجوارحه لا تسعى إلا في الخير, يُقدِّر مشاعر الآخرين ويُحافظ عليها، ذكي يعرف قيمة الحب، وأنه من أثمن الأشياء لديه درجة كبيرة من التسامح يتمتع بعين ذكية لا ترى إلا الجميل وتستر كل قبيح يقلل من العيوب على قدر ما يستطيع, تنبع السعادة من داخله ولا ينتظر أن يمده الآخرون بها، يبادل الناس من حوله الود والاحترام، خاصةً أهله، وهذه الصفات إذا تمتَّع بها أو بعضها الزوجان ما وُجدت كلمة الطلاق لنفسها مكانًا في بيوتنا السعيدة.

 

نواة المجتمع

 الصورة غير متاحة

الطلاق يدمر المجتمع

ويوضح علماء التربية أن الأسرة تُعتبر اللبنة الاجتماعية الأولى التي يقوم عليها المجتمع، وحتى وقتٍ قريبٍ كانت لبنة لها اعتبار ومقدرة وذات قيمة يحترمها الجميع ليس فقط في العالم العربي والإسلامي، ولكن في الكينونة البشرية كلها.

 

ولكن في العصر الذي نعيش فيه الآن أصبح هناك مشكلة في وضع الأسرة وشابتها الكثير من الشوائب الخطيرة، وهي أكثر من شوائب بل أمراض جذرية تخترقها من الصميم، فكنا نعتقد حتى وقتٍ قريب أن مجتمعاتنا في مأمنٍ من هذه الأمراض المجتمعية لتفاجئنا الأرقام بعكس ذلك حتى أصبحنا لا نختلف عن المجتمعات الغربية التي تتصف بالمادية والبعد عن الله وعن الإيمان، ولكن للأسف أصبحت هذه المشكلات لا تعرف الحدود الجغرافية ولا الحدود السياسية ولا الفوارق الثقافية أو الدينية؛ فالأرقام التي تُحدثنا عن العنف الأسرى والفشل في تربية الأبناء وتزايد نسبة الطلاق أصبحت صاعقةً ومخيفةً.

 

وتشير الأبحاث إلى تعدد أسباب الطلاق ومنها الملل الزوجي وسهولة إيجاد البديل وطغيان الحياة المادية والبحث عن اللذات وانتشار روح الأنانية وضعف الخلق, كل ذلك يحتاج إلى الإصلاح وضرورة التمسك بالقيم والفضائل التي تحمي الأسرة والمجتمع.

 

ويأتي سبب مهم آخر من أسباب الطلاق، وهو عدم التوافق بين الزوجين، ويشمل ذلك التوافق الفكري وتوافق الشخصية والطباع والانسجام الروحي والعاطفي والأفكار المثالية لأحد الطرفين أو كليهما يؤدي إلى عدم الرضا وإلى مرض العلاقة وتدهورها، وبشكلٍ عملي نجد أنه لا بد من وجود حدٍّ أدنى من التشابه لاستمرار الحياة الزوجية، فالتشابه يُولِّد التقارب، أما الاختلاف فيولد النفور والكراهية والمشاعر السلبية، ولا يعني التشابه أن يكون أحد الطرفين نسخةً طبق الأصل من الآخر.

 

ويمكن للاختلافات بين الزوجين أن تكون مفيدةً إذا كانت في إطار التكامل والاختلاف البنَّاء الذي يُضفي على العلاقة تنوعًا وإثارةً وحيويةً، أما إذا كان الاختلاف كبيرًا أو كان عدائيًّا تنافسيًّا فإنه يبعد الزوجين كل منهما عن الآخر، ويُغذي الكره والنفور وعدم التحمل فيما بينهما والذي يؤدى إلى الطلاق.

 

وعلى الزوجةِ أن تكون لها شخصيتها المستقلة وعملها أو هوايتها التي تحبها والتي تصرف فيها وقت فراغها وتفكيرها السلبي وطاقتها بشكلٍ يجعل لها شخصية مستقلة وعدم ارتباط وثيق بالزوج بحيث لا يوقف كل طرف سعادته على الطرف الآخر، وليدرك كل منهما أنه بشرٌ متغير في أحواله متقلب في عواطفه، ويقبل الآخر كما هو محاولاًً التكيف معه وتقليل الاختلافات قدر المستطاع حتى تصل الأسرة إلى السعادة المرجوة.

 

الرجوع إلى الدين

 

 د. أحمد العسال

ويوضح د. أحمد العسال- مستشار الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان- أن من فضل الله سبحانه وتعالى على البشر أن جعل دين الإسلام هو الدين الخاتم، وبيَّن عواقب كل فعلٍ يأتيه المرء قد يكون فيه ضرره أو ضرر مَن حوله، وقد جعل الطلاق ثلاث مراتٍ لكي يكون هناك فرصة للزوج يُراجع فيها نفسه حتى لا تنهدم الأسرة ويضيع الأبناء هكذا بسهولة إذا كان الطلاق ينتهي من مرةٍ واحدة.

 

والجانب الإيجابي في الموضوع أن مجتمعنا العربي والإسلامي يمر الآن بحالةٍ رهيبةٍ من التغيرات في كافة النواحي؛ منها تغير الأوضاع الاقتصادية وتزعزع الثوابت الاجتماعية؛ مما جعل الجميع يعيش حالةً من التوتر والقلق نتيجة ارتفاع معدلات البطالة والعنوسة، وهذا حدث نتيجة بُعد الناس عن منهجِ الحق تبارك وتعالى، وانغماسهم في حياتهم الدنيا وأسبابها المادية دون الرجوع إلى المسبب سبحانه وتعالى، كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا؛ كتاب الله وسنتي، عضوا عليها بالنواجذ".

 

فعلى الزوجين أن يخافا الله- عزَّ وجل- ويراقباه في كل أمورهما.. "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وعليهما أن يحافظا على هذه الحياة المشروعة السليمة المستقيمة حتى لا يحدث ما لا يُحمد عقباه، وما نسمع عنه كثيرًا الآن من تحرشٍ واغتصابٍ وفساد الأبناء وانتشار الفاحشة حتى بين المحارم والعياذ بالله، فالزواج ميثاق غليظ، وعلى الزوجين أن يحافظا عليه وألا يبغض أحدهما الآخر إذا وجد فيه خُلقًا لا يُرضيه, قال صلى الله عليه وسلم: "لا يفرك مؤمن مؤمنة إذا كره منها خلق رضي آخر".

 

وهذا الحال للزوجة أيضًا، وكذلك لا ينسى أحدهما فضل الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 237)، فالسعادة في القرب من الله- عزَّ وجل- وبه تتحقق الحياة الهادئة الطيبة المطمئنة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾ (النحل).