قالت وقد انحنى ظهرها بؤسًا لا عجزًا وبدت على وجهها كآبةٌ أضافت إلى عمرها سنين زورًا وبهتانًا: "لا تظني أن الغلظة والفظاظة هما وحدهما كل أسلحة القهر لدى الرجل؛ فكثيرًا ما ترتبط صورة الرجل الجبار بالإهانة أو العنف، وهذا تصور محدود ضيق.. تأكدي أن هناك طرقًا أخرى قد تكون أشد غلظة رغم أنها النقيض.

 

لأوضح لك الصورة أكثر سأصف لك ما يفعله زوجي:

هو شخص هادئ جدَّا، دائم الصمت؛ لا يبادرني بكلام إلا إذا بدأت أنا بالسؤال، ويجيبني في أضيق الحدود بجمل مختزلة لم تخرج إلا من حنجرة بخيلٍ، لم يحدث مرةً أن اختصني بسر، لا يحاول أبدًا أن يخبرني أين ومع من كان وماذا فعل؛ فأنا أجرجر الكلمات من لسانه جرًّا.

 

أما عن مشاعره فهي كلمات أتسوَّلها منه كلما شعرت بقلبي يكاد يموت حنينًا لكلمة عطف أو حب أو اهتمام.. كلمات لا أشعر أنها تتجاوز شفتيه.. أُقتل يوميًّا لإهاناته.

 

لا تذهبي بأفكارك بعيدًا؛ فهو لا يتطاول عليّ بالكلمات، لكنه يهين أنوثتي كل يوم بإهماله لكلمة مدح أو نظرة إعجاب رغم كل العجائب التي أتفنن له بها كي أظهر أمام عينيه جميلة، أشعر أنني أقبح وأغبى امرأة على وجه الأرض.. لقد ذبحني بسكينه البارد وقتل داخلي شعوري بأن لي قيمة في هذا العالم".

 

القهر الناعم

نعم.. أتفق مع هذه الزوجة أن تعامل الزوج مع زوجته بكل هذا البرود هو نوعٌ من القهر، ويسميه العلم (العدوان السلبي)؛ حيث ينسحب المعتدي من واقع مَن يعتدي عليه ويقهره بتجاهله لشخصه ويحط من قيمته ببروده ويشعره بهذا القهر الناعم أنه دون رقم الصفر في حياته.

 

وهذا النوع من الأزواج يبدو باردًا كالثلج، صامتًا وسلبيًّا كالحجر، وغامضًا كاللغز.. ولكن هل يقف الزوج وحده في قفص الاتهام؟.

 

تعالي نتفهم أولاً أسباب هذا السلوك؛ فمناقشة الأسباب قد تبرئ الزوج وتضع الزوجة بدلاً منه في قفص الاتهام!!

 

هل أنت السبب؟

1- قد يكون الهدوء الزائد والصمت وعدم المبادرة صفاتٍ أصيلةً لدى الزوج، وقد يرجع ذلك إلى طبيعة شخصيته وطريقة تربيته والوسط الذي تربَّى فيه؛ فربما يكون مسبوقًا بأخوات كبيرات إناث، أو ربما تعرَّض هو للتربية المتسلطة، أو يكون قد عُومل بقهرٍ في طفولته.

 

2- قد تكون الزوجة من النوع المتسلط المسيطر فيضطر الزوج للهروب من سيطرتها بتجاهله لها.

 

3- قد تترسَّب في ذاكرة الزوج عدة مواقف سابقة للزوجة تسبَّبت فيها بجرح كرامته أو إهانته والاستهزاء به، أو قد تكون تخلَّت عنه وقت حاجته إليها، خاصةً عند انشغالها عنه بولادة أو تربية أبناء.

 

4- قد تكون الزوجة من النوع الثرثار الذي يقاطع المتحدث ويكبت أفكاره ويقطع تسلسل أفكاره، وهذه الصفة هي التي يضيق بها هذا النوع الهادئ من الرجال.

 

5- قد تتجاهل الزوجة حاجة زوجها إلى التقدير والاحترام وإشعاره بقيمته، فيبدأ في تحطيمها بتجاهله.

 

6- الافتقار إلى الاهتمامات المشتركة بين الزوجين مما يُشعر الزوج بغربةٍ وانفصالٍ عن زوجته.

 

ماذا أفعل؟

ولكل زوجة كان قدرها الارتباط بمثل هذا الزوج أقول:

1- احمدي الله على نعمته؛ فهذا الزوج غالبًا لن يتطاول عليك بالإهانة كما يفعل أزواج آخرون، وهو مهذب، محترم، لا تشين لسانه بذاءة الكلمات، وهو هادئ صبور لن يمد يده عليك يومًا باللكمات؛ فزوجك هذا تتمنَّاه الكثيرات.

 

الشعور بالنعمة هذا ما يجب عليك أن تحسي به كل حين.. ولكن هل هذا يكفي؟.


2- اعلمي أن صبرك على معاملته وتحمله هو نوع من الجهاد الذي تؤجري عليه جزيل الثواب.

 

ابدئي الآن خطوات عملية لإذابة فواصل الجليد بينكما، واكسري بيديك حاجز الصمت.
3- لا تقابليه إلا بوجه مليء بالحب والحنان، واسأليه بلطف عن حاله وعمَّا مرَّ به من أحداث دون إلحاح ودون إثارته بصيغة التحقيق، بل استخدمي الأساليب غير المباشرة في السؤال.

 

4- حرِّكي الساكن كما يحرِّك رمي الحجر دوائر الماء، ويعني ذلك أن تبادري بفتح موضوع معين بكلمات قليلة، ثم اتركي له العنان ليرد عليك دون مقاطعته، ثم دعي دوائر الحديث تتسلسل من دائرة لأخرى أوسع.

 

لا تيأسي اليوم إن لم يتم الحديث كما ترغبين، بل تابعي وحاولي مرات أخرى.

 

5- قرِّبي أهدافك من أهدافه، وتفهَّمي وجهات نظره، ولا تحاولي أبدًا تحقير أفكاره، بل عظِّمي كلماته وأشعريه بتقديرك له وإعجابك به.

 

6- ابحثي عن اهتماماته وهواياته، واهتمي بها وتعلمي عنها وشاركيه فيها، وهذه الطريقة المجرَّبة بالذات ستشعرك بنتائج مذهلة لم تكوني تحلمي بها كما فعلت زوجةٌ كان زوجها يهتم بأعمال السباكة كهوايةٍ من هواياته فعيَّنت الزوجة نفسها (صبي سباك) لديه.

 

ولا أنسى أبدًا تلك القصة الطريفة التي وردت في إحدى الفضائيات عن زوجةٍ تشكو من تجاهل زوجها وانعزاله، فكانت النصيحة بمشاركتها اهتماماته، فلم تجد الزوجة له اهتمامًا إلا تربية الحمام؛ حيث كان يتركها وحدها ليصعد فوق سطح البيت ليقضيَ كل وقته وسط أبنية الحمام، فأحضرت الزوجة كتبًا عن الحمام وأخذت تحفظ ما فيها، ثم أصبحت تحمل له يوميًّا المشروبات إلى سطح المنزل وتجلس معه وسط الحمام وتبهره بثقافتها البالغة وحبها للحمام، فما كان من هذا الزوج إلا أن انطلق لسانه بالتقدير لهذه الزوجة، وأصبح كثير الكلام.

 

صحيح أن الحمام كان يستأثر بأغلب أوقات الحديث، إلا أن عقدة لسانه قد انحلت إلى الأبد وحدث بين الزوجين الانسجام.