المرأة على مرِّ العصور- إلا ما رحم ربي- تفقد الكثير من حقوقها التي تساهم في دخولها الجنة، سواءٌ أكان ذلك بيد المجتمع أو بيد الرجل أو بيد المرأة نفسها، فنجد امرأةً قد ذاقت الأمرَّين من الرجل، فتحارب نفسها من خلاله وهي متصوِّرة أنها تنتصر عليه، وهي في حقيقة الأمر تهدر الكثير من حقوقها، وإلا ما معنى أن نجد امرأةً تناطح الرجل وتلبس مثل ملابسه وتتكلم مثله، حتى شعر رأسها تحلقه لتصبح نسخةً مظهريةً للرجل، ثم تنادي بعمله مهما كان شاقٌّ، وبالطبع أفسح الرجل لها المجال وترك لها الكثير من الأعمال والمهام؟!.
فأعادت المرأة لنفسها العبودية التي حرَّرها الله منها، فوجدناها تدير المنزل وتُعدُّ الطعام لأهل المنزل وتدرِّس للأولاد، وعليها شراء حاجيات المنزل، بل ودفع غالب راتبها إن لم يكن كل راتبها لأولادها وزوجها.
بل وصل الأمر في كثير من البيوت إلى أن وجدنا الرجل لا يعمل وقد جلس في منزله، ليس كالنساء، فإن المرأة كشغَّالة النحل؛ عاملة في أي مكان وُجدت فيه، ولكنه عالةٌ على أسرته وزوجته، ونجد أن رجولته قد حدث فيها خلل وانهيار، وأصبحت الزوجة قد ألقت على كاهلها كل الأعباء، شبحًا يسير بـ"ريموت كنترول" لا تملك هي أزراره، فتعست وأتعست من حولها، فأصبح الرجل لا يراعي المرأة في أي مكان، ولا يعطي لها الأولوية في أي شيء؛ بحجة أن بعضهن قد نادى بالمساواة المطلقة، فعليهن وكل بنات جنسهن المعاناة.
وهناك امرأة أخرى قد وهبها الله العقل وأعطاها الحقوق، ولكنها باستكانةٍ لا تحسد عليها قد تخلَّت عن كل ذلك وأصبحت تابعةً، ولا ظل لها، فنرى أسرتها وقد أصبحت عرجاء، لدرجة أن هذه المرأة تستسلم حتى لأوامر من البشر وفيها غضب لله، وتنازلت عن حقوقها العقائدية والفكرية، فتنازلت عنها الجنة، وسمعنا كثيرًا من تقول: إن زوجي خلع لي حجابي.. إن زوجي طلب مني الذهاب إلى تلك الحفلة الماجنة.. إن زوجي أمرني باستقبال أخيه في غيابه.. إن زوجي يحب رؤية الأفلام المخلِّة ويريد أن أُصاحبه، وهكذا سُلبت منها آراؤها، فكانت مسخًا لامرأةٍ ليس لها وجود ولا صدى.
ورب العزة سبحانه في أوامره وشرائعه يُنصف المرأة بشكلٍ فطري تلقائي إن تعاون شقَّا العالم (المرأة والرجل) في تنفيذ أوامر الحكيم العليم، وقد ضربت المرأة الفلسطينية المثل في ذلك؛ فعندما انتظم الرجال في صفوف المجاهدين ورفعوا راية الإسلام وهتفوا "الله أكبر"، بارك الله لهم في نسائهم، فأصبحن لهم عونًا.
فمن الشباب من حوصر في المسجد، وبشكلٍ عفوي تخرج مجموعةٌ من النساء وقد صمَّمن على كسر الطوق الصهيوني عنهم، ونجحن فيما لم يجرؤ الرجال على فعله، وأيضًا في الحصار الأخير وغلق المعابر اندهش العالم وهو يرى النساء المسلمات يعتلين سور معبر رفح ويفتحن المعبر وهتافات التكبير تدوي في الآفاق، ولم يتوقفن ليسألن هل حلال أم حرام تسلُّق المرأة أبواب المسجد، ولم يسألن: هل صوت المرأة بالتكبير حلال أم حرام، ولكنها بالفطرة.. خرجن وعملن في المجال السياسي بدون أن يستجدين ذلك أو يطلبنه.
وجدنا المرأة تحب الله حبًّا قد تمكَّن من قلبها لدرجة أنهن رفعن شعار (خذ يا رب من أولادنا حتى ترضى)، وامرأةً مسلمةً لها ستةٌ من الأولاد؛ استُشهد بكرها منهم، وإذ بها تكبِّر وتهلِّل وتقول: "عهدي معك يا الله"، فيسألها الصحفي عن سرِّ فرحتها وقد استُشهد للتو ولدها فتقول بقوةٍ وإباءٍ وشموخ: "لقد عاهدت الله أن أبيعَ له نفسي وأولادي الست، وهذه الشهادة لابني الأكبر هي بشرى لتقبُّل الله مني، وأنا أشهدكم أني على العهد باقية ثابتة، وأنَّ ما تبقَّى من أولادي فهم لله سبحانه.. أسأله أن يقرَّ عيني بنصرهم أو بشهادتهم".
أمر رائع.. هل هؤلاء النساء أم المرأة المتسكعة المتبذلة التي تهب جسدها لأعين الرجال مجانًا وتترك أولادها فريسةً لشيطانٍ متربِّص غادرٍ لا يحب البشر؟!.. هيهات وشتان بين الجبل الشامخ والمستنقع النتن.
إن المرأة المسلمة المجاهدة في كل بقعة من بقاع الأرض قد جعلت الميزان يعتدل، وجعلت المرأة ترى بالفعل الطريق الصحيح؛ فالعبودية لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى، فلا تكون لرجل ولا هوى نفس ولا لولد ولا لمجتمع العبودية لله، فيها كل التحرُّر وفيها الرقي والتمدين.
إن المرأة المجاهدة- بما تتحمَّله- إن سقطت سقط الرجال؛ فقد أصبحوا كالنسيج الواحد بلا انفعال ولا تخبُّط، وأنا أدعو كل امرأة حرة أبية طاهرة تبغي القوة من الله أن تراجع كلَّ أقوالها وأفعالها، وأن تجعل القرآن الكريم لها نبراسًا، وأن تشارك في كل شيء يمكنها المشاركة فيه ومن خلاله؛ تنال رضا الرحمن الرحيم، وألا تقسوَ على فطرتها بعملٍ لا يتناسب معها، وعليها أن تُخرج الرجل من دوامة بطالته إن كان قد انحدر فيها، ولتأخذ بيده وتسلمه مسئولياته التي خُلق من أجلها، ولتهون على نفسها ولا تحرمها من لقاء نفسي مع خالق السماوات والأرض، وقد آن الأوان لترفع غمامة العين ولتحرِّر نفسها من ساقية العبودية التي نضب ماؤها منذ أن أنشأها الشيطان.
الجهاد الإسلامي قد لاحت بشائره، وعلى المرأة- كما هي في كل العصور- أن تكون من السابقات لرفع الراية والتمسك بكل ما تأمرنا به حروفها "لا إله إلا الله محمد رسول الله".