تعودت أن أستمع لمشاكل النساء من حولي، فقد أحسستُ بمشكلة إحداهن، وخاصةً أني أصبحتُ حماةً للبنت وللولد؛ فقد تزوَّجتْ ابنتي وتزوَّج ابني، وأصبحتُ أشعر كأني أخاطب نفسي وجال بخاطري أمور ربما جالت بخاطر غيري بحكم ظروفهن أنهن مثلي حموات فشعرتُ منها ومن شكواها ما يجعلني أقول:
إن الجيلَ الجديد من الأبناء يتصرف بأسلوبٍ يجعل جيل الأمهات يشعر بإحساسٍ مريرٍ بفقد الحياة معناها، وإن أصعب شيء على الإنسان أن يحسَّ أنه أنهى دوره، ولم يعد أحدٌ بحاجةٍ إليه فيحس أنه عالة على الآخرين ولا يأتي منه نفعًا.
قالت لي هذه الأم وهي نموذج من الأمهات اللائي قابلتهن: نحن نشعر بالأسى والحزن؛ لأن أشدَّ ما يؤلم الأم أن تحمل وترضع وتربي ابنها وابنتها، قريبًا من عشرين عامًا أو أكثر، وتمرض مع المريض وتسهر الليالي تحمل هَمَّ هذا أو ذاك وتؤثرهم باللقمة الهنية والنومة الهنية، وتنسى نفسها، وعند زواجهم فإذا بالابن ينصرف مع زوجته والفتاة تطير من يديها إلى زوجها، وتمرُّ الأيام فإذا الابن أو الابنة يذوب في عالمه الجديد فلا يسأل عن أمه إلا قليلاً ولا يذهب لأبيه إلا عند الحاجة.. ومن هنا تظهر مشكلة الحماة.
أليس من الطبيعي أن تغتاظ الأم وتشعر بالعداء نحو مَن انتزع منها فلذات أكبادها؟! والأم بالذات تعاني أكثر من الأب، وهذه الأزمة لأنها أعطت معظم كيانها لأولادها.
قلت لها: يا أماه هذه سنة الكون، ونحن جميعًا أخواتك ونستمتع ونسعد برقةِ قلبك الكريم وحنانك، فأنتِ دائمًا في خدمتنا وتتفقدين أحوالنا، ونحن في حاجةٍ إلى حنانك وحكمتك، ونحن نسارع إليك في كلِّ ما يسرنا ويسؤونا.
فلا تقولي إنه لم يعد أحدٌ بحاجةٍ إليّ فنحن بناتك وزوجات أبنائك، ويكفي أننا نشعر بكل الحب والحنان لكِ ونستفيد من خبراتك دائمًا.
وأعتقد لو فكرت زوجة الابن قليلاً لتجد أنها سنوات معدودة وسوف تكون في نفس الوضع، ولو أدركت هذه الزوجة أن البركة والخير وتفريج الكروب وذهاب الهموم والأحزان في دعاء الوالدين لزوجها وسبب للحياة الطيبة للأسرة جميعًا؛ لتغيرت المعاملة إلى الأفضل.
وقد وصف النبي- صلى الله عليه وسلم- العلاج الشافي لضيق الرزق والعيش في هذا الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه: "مَن سره أن يمد له في عمره ويزاد له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه" (أخرجه أحمد ورجاله- رجال الصحيح)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرجلَ ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا بالدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر".
وليست الزيادة في العمر أن يتغير موعد الأجل ويطول، ولكن أن يرزق الله تعالى الرجل ذريةً صالحةً يلحقه دعاؤهم له بعد موته، وهذا ما يؤيده قول أبي الدرداء- رضي الله عنه- قال: ذكرنا عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الزيادة في العمر فقال: "إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له فليلحقه دعاؤهم في قبره" (رواه ابن أبي حاتم تفسير بن كثير 3/373).
وليس البر بر الوالدين فقط، ولكن بر ذوي القربى بل وبر الأباعد أيضًا.
ولكني قابلتُ أيضًا نموذجًا للأم المؤمنة التي يمكن أن تتجاوز هذه المحنة باستمرارها في العطاء ونكران الذات، فهي إنما كانت تنجب وتُعطي لله تعالى، وأولادها بعد زواجهم بحاجةٍ إلى عطائها، وهي لم تخسر ابنها أو ابنتها، بل قد تضاعف عدد أبنائها وبناتها، وسيأتي الأحفاد بعد ذلك فيملئون عليها حياتها هناءً.
وقالت: لقد أعانني الله في التغلب على محنتي تلك ففتحت قلبي لمن حولي وقررت أن أملأ فراغي بالحب والعطاء على قدر استطاعتي وعندها وجدت السكينة وقمت باستثمار ما لدي من طاقة وفراغ في أعمال اجتماعية وفكرية.
إن الأم يمكن أن تتجاوز كثيرًا من المواقف الصعبة بعد زواج أبنائها برفع مستوى فهمها وإدراكها للقضايا، بينما الأم الجاهلة تقف بالمرصاد لصهرها وزوج ابنتها فتتصيد الهفوات وتعد الزلات؛ لتصنع منها ما تزعزع كيان الأسرة، وقد دمعت عيناي لحديث هذه الأم الحكيمة التي ما زالت تعطي وتمنح رغم الألم، ولولا أنها تعمل لله في خدمة أولادها ورعايتهم لأحست بضياع ماضيها كله هباءً.. فجزاها الله كل الخير وهدى أولادها لما فيه الخير لدينهم ودنياهم.
وأنا لا أطمع من هذا الجيل إلا بذل الكلمة الطيبة والاهتمام المخلص للوالدين والحموات، والخطاب للأبناء بنتًا أو ابنًا:
فهل تشعر بوالديك عندما يذرفان الدمع شوقًا لرؤيتك وأولادك فتذوق حلاوة الإيمان بطاعتك لله ولرسوله ثم بزيارتهم فتنال بركة دعائهم لك ولأسرتك؟.
وتذكر أنهما لا يحتاجان الرعاية الاقتصادية فحسب، بل الأهم- والتي يرجونها- هي الرعاية النفسية والروحية.
ولنتعلم أن البرَّ لا يكون إلا فيما يخالف أهواءك أو ميولك، وإن أردت أن تكون سعيدًا في حياتك موفقًا في أعمالك، فائزًا في الدنيا والآخرة، ناجيًا من عذاب الله يوم القيامة، فلا تُفضِّل زوجتك وولدك عليهما، واعمل ما يسرهما من غير أن يأمراك به مع الإكثار من الدعاء والاستغفار لهما.. وفقك الله لما يحبه ويرضاه.