في ليلة عرسها أراد الزوج الحديث العهد بزواج أن يضع النقاط على الحروف بكل صرامة وقوة، فعاتبها على أفعال والدها منذ خطبتها، وكذلك والدتها، وهي تنظر إليه بذهول، وقد أطلقت العنان لدموعها وآهاتها، ومرَّت الليلة كشر ليلة، وقد وهبهم الله إياها لغير ذلك.

 

يدخل الزوج- بسبب نقص خبرته بحسن التعامل مع النساء اللواتي كان يسميهن رسوله صلى الله عليه وسلم بالقوارير، ويأمر بالرفق بهن، بل يوصي بحسن التعامل معهن، ويجعلهن من أواخر كلماته صلى الله عليه وسلم- في متاهة لا يعلم بحاله فيها سوى خالقه سبحانه.

 

ونجد زوجًا قد اكتسب خبرته وله في صحبة الزواج عدة سنوات، وقد أعدت له زوجته طعامًا لم يرق له، وبدلاً من توبيخها نجده يبتسم في وجهها بكل حنان ومحبة، وهو يقول لقد ذكرتيني بهذا الطعام بأجمل أيام عمري، وهي بداية زواجنا عندما كنتِ تتدربين على إعداد الطعام لتسعديني بذلك، نظرت إليه وقد أخذت نفسًا هادئًا، فقد أزاح عنها بكرم أخلاقه ما كانت تشعر به من حرج بعد أن شاط طعامها، ويذكرنا برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما عاب طعامًا قط، وإذا وجد الطعام فحسن وإن لم يجد نوى الصيام، هكذا بكل بساطة وبدون أية مشكلات ولا تعقيدات.

 

وفي منزل آخر، نجد زوجة تعد الطعام بكل اهتمام وعناية وكرم ورحلتها مع الزواج 20 عامًا، وكان من ضمن الضيوف أحد الشيوخ الدعاة وقد كبر سنه، فأراد أن يشكر الزوجة بنفسه بكلمات بسيطة قد تعلمناها من رسول الله (جزاك الله خيرًا)، وكانت مفاجأته كبيرة عندما بكت عند سماعها ذلك الإطراء، وقالت: عذرًا شيخنا الكريم، فلي 20 عامًا لم أسمع أحدًا شكرني أو قدَّر عملي، وبالفعل فهذا أمر مهم ننساه مع زحمة الحياة، وكأنه فرض على الزوجة أن تعمل، ولا نجعل مساحةً لتقديرها وشكرها على ما تقدمه.

 

 وقد استفادت عروس حديثة بأهمية تقدير زوجها، فقد وعدها بإحضار هدية قيمة لها وأخذت تمنِّي نفسها، يا ترى ماذا أحضر؟ وزيادة في التشويق اتصل بها مرة أخرى؛ ليؤكد أنه لم ينس هديته لها، وجاء وقت فتح الهدية فماذا وجدت؟ "شبشبًا" بسيطًا جدًّا فأخذتها شهقة المفاجأة، وهي تنتظر الحلي وما إلى ذلك، ولكنها تداركت الأمر سريعًا، لتعمل بوصية التقدير، وقالت: ما أجمل ما أرى وأروعه، شكرًا على تذكرك لي، ثم علمت بعد ذلك أن هذا النوع تحبه أمه كثيرًا، ويسبب لها الراحة التامة وهو يحبها، فأراد أن يحضر ما يتسبب في راحتها، حسن تصرف مع صبر قليل متوج بالتقدير يكشف لها الأمر.

 

أما التعاون المحاط بسياج الحب فهو من أهم أسباب السعادة، فقد استدعى زوجان داعيةً؛ لتساعدهما في حل ما يعانيه كل منهما، وبعد أن استمعت لهما، أخذت الداعية تبحث حولها في كل مكان، وهم يسألونها ماذا فقدت؟ وكانت الإجابة مفحمة لهما، فقد كانت تبحث عن المودة والرحمة اللتين افتقدتهما في هذا المنزل، فقد كانت الزوجة لا تريد أن تقوم بنظافة المنزل بدعوى أن هذا ليس من واجباتها، ونجد الزوج بدلاً من إعانتها كما كان يفعل رسوله مع زوجاته، وكل واحدة تقطن في حجرة واحدة، أي ليس العمل بالكثير؛ ولكنها روح المحبة التي تركب على براق التعاون للتعبير عن المودة والرحمة، لا أن يلقي الزوج بملابسه في أي مكان ويلقي بصحون طعامه، ويلقي بجواربه في حجرة نومه، ولا يهتم برائحتها التي تؤذي الزوجة، ويطلب من زوجته دومًا تنظيف كل شيء، أو عدم التنظيف هو لا يبالي ولا يهتم، والزوجة تجد كل شيء فتترك كل شيء، وتقول: ليس من واجباتي، إذًا أحضري خادمة، ليس لدينا القدرة المادية على ذلك، وإن وجدت فليس لدينا مكان لها.. رحمكِ الله يا فاطمة يا بنت رسول الله، عندما طلبتِ خادمًا أنت وعلي رضي الله عنكما أعطاكما رسول الله التسبيح قبل النوم.

 

وطلب ذلك من فاطمة وعلي رضي الله عنهما، حيث إن الحياة مشاركة وتعاون تتولد منهما المودة والرحمة.

 

وفي المنزل المجاور يعاني أهله من أمر مختلف، فالزوج يضع "منخاره" في كل شيء، ولا يترك للزوجة أدنى مساحة للتحرك بحرية، وهي كذلك تريد أن تعرف عنه كل تحركاته بكل تفاصيلها، والنتيجة معروفة؛ فكل منهما يتسبب في شعور الآخر بالاختناق، فيجب أن تكون هناك مساحة لشعور كل منهما بالراحة والهدوء والسكينة، فقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يستأذن على أهله عند قدومه من السفر ولا يباغتهم؛ ليشعرهم بثقته فيهن ويترك لهن مساحة من الوقت؛ استعدادًا لاستقباله صلى الله عليه وسلم.

 

ولنرى هذين الزوجين في منزل آخر يشترك منزلهما مع المنزل الآخر في حائط، فنراهما يتنافسان على الكلمة الطيبة التي يقولها كل منهما للآخر، بل ويتنافسان على إسعاد كل منهما للآخر، بل ويحاول كل منهما توفير أقصى راحة للآخر، وكل ذلك ابتغاء وجه الله العظيم، فعوضهما الرحمن سعادة في القلب وقناعة، ورضي كل منهما بالآخر، ورضي عنهما المولى جل وعلا.

 

حوائط متلاصقه تحوي كل منها قصة، وكل ساكن له أن يختار إما السعادة وإما الشقاء، أما إن كانا زوجين فلا بد من إرادتهما معًا للوصول للسعادة حتى يحصلا عليها عندها ستكون حياةً رائعةً.