إلى ريحانة البيت وزهرة العمر.. إلى بهجة الحياة.. إلى سر المودة ونبع الرحمة ودفء السكن.. إلى كل زوجةٍ أُهدي هذه الكلمات:
جلست تشكو جفاء العلاقة بينهما.. كانت تبكي غربتها ووحشتها، وجفاف عاطفة زوجها، وكيف نضب نبع الحب على شفتيه؟ وجفت شعلة الإعجاب في عينيه، وبردت السكينة على كتفيه.. قطرت دمعة من عينها وهي تتحسر على حلمها بسكنٍ يُدفئ قلبها.. وقالت: "لمَن أشكو همي؟ ومَن يُربت على كتفي؟ وبعطف مَن أُطفئ نارَ مشكلاتي؟".
أحسستُ بخللٍ يُغلِّف أفكارها ويزيغ عقلها عن الحقيقة، فسألتها "وأنت.. أين أنت منه؟ هل يبثك همه؟ هل تربتين على كتفيه؟.. وهل بعطفك تُطفئي نار مشكلاته؟"، ثم قفزت فكرة إلى ذهني فقلتُ لها: "في جلسة هادئة تتجاذبان فيها أطراف الحديث أو تشاهدان التليفزيون أو تناقشان أمرًا أين تجلسان؟" أشارت بملل إلى الأريكة وقالت: "هو يجلس هنا أما أنا فأجلس على المقعد المقابل.
أشرت إلى الأريكة على بعد سنتيمتر واحد من مكانه المفضل وقلت لها: "مكانك يجب أن يكون هنا".
نعم.. يحق لكل زوجة أن تحلم أن يكون زوجها سكن لها.. ولكن ذلك لا يكون أبدًا قبل أن تبدأ هي أولاً فتكون له السكن والملاذ من وحشة الحياة وبرودتها وقسوتها.
أمة أم أميرة؟!
وتعالَي نتأمل السطر الأول في نصيحة أم لابنتها عند زواجها، والجدير بالذكر أن الابنة كانت من كبراء قومها وأن زوجها كان أميرًا.. قالت: كوني لزوجك أمة يكن لك عبدًا، واحفظي له عشرًا تكن لك ذخرًا:
الخشوع له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، ولا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والتفقد لوقت طعامه ومنامه، والحفاظ على ماله بحسن التدبير ورعاية أولاده بحسن التقدير، ولا تعصين له أمرًا، ولا تفشين له سرًّا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره وإن أفشيت سره لم تأمنِي غدره، وإياك والفرح إن كان ترحًا (حزينًا)، وإياك والكآبة إن كان فرحًا.
تعالي نتخيَّل جارية تعامل أميرها- دون ذلٍّ أو هضمٍ لقيمتها العظيمة كزوجة- لكن معنى كلمة أمة بالنسبة لهذه الزوجة هي أن مشاعرها عاشت أسيرةً لدى زوجها، وتعالَي نتخيل لو أن كل زوجة تُعامل زوجها مثلما تعامل هذه الجارية أميرَها لتربَّعت على عرش قلبه ولعاشت ملء صدره ولحفظها في عينيه.
1- تدعو بدعاء زوجها "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا".
2- تُعد له أشهى ما يحب من الطعام قبل أن يصل إلى البيت وتهيِّئ له مكان نومه وهي تشعر بـ"قرصة" جوع حبيبها في معدتها وتعب جسده يصدع رأسها.
3- تتزين وتتجمل وتتعطر وترتدي أبهى ما لديها وقد ارتسمت في مخيّلتها صورة عينَي حبيبها تجتهدان في غض البصر في زمن ضعُفت فيه أعين الأتقياء أمام المغريات والفتن.
4- تستقبله بأرقِّ الكلمات وأعذبِ الابتسامات وهي تمسح غبار وجهه بثغرها وتُزيل تعب كتفيه بكفيها.
5- تشكره وتمدح ذوقه ومهارته في الشِّراء ولا تذم فاكهةً حامضةً اشتراها، بل تتركه بذكائها يكتشف ذلك بنفسه.
6- تحكي له بمرَحٍ مواقفَ وأحداثًا مسلية وتنسى خلاف الأمس وهي تُطعِمه بيدها لقيمات يحبها في فمه وتتجنَّب تمامًا الشكوى والكئيب من الكلام.
7- تغطي جسده المتعب بدثارها الدافئ، وتمسح جبينه، وتتمنَّى له نومًا هادئًا وتمنع ضوضاء الأطفال من الوصول إليه.
8- تُطعمه الحلوى مع الشاي وتُربِّت على كتفه وتمسح كفَّه وهي تواسيه في مشكلة أصابته وتشجِّعه على تحقيق طموحه.
9- تسانده في وقت الشدة بأرقِّ الكلمات وتبشِّره بتفاؤل وقد تردّد صدى صوت أمها خديجة- رضي الله عنها- عندما عاد رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده وهو يخبرها بنزول الوحي عليه، فقالت: "كلا والله لا يخزيك الله أبدًا.. إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ (العاجز)، وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر".
10- وهي قانعةٌ بما آتاها، إن أعطاها شكرت، وإن ضاق بهما العيش صبرت، فلا تنظر إلى أختها أو جارتها، ولا ترهق زوجها بأشياء مبالَغ فيها، ولا تُحزن زوجها، ولا تشق عليه ولا تدفعه إلى الحرام.
11- وهي تُشعر زوجها دائمًا بالسعادة والفرح عند وجوده في البيت وتتفرَّغ له وتمدحه دائمًا وتُظهر له كم هي سعيدة بارتباطها به.
12- وهي تجدِّد دائمًا في مظهرها وتبدو أمام عينيه جميلةً في كل وقت وظَرف، وتتخذ النظافة والبساطة شعارًا لها ولأولادها وبيتها، وتهتم بأغراض زوجها فترتبها دائمًا وتنظِّمها وتدلُّه على مكانها.
13- وتتجنَّب فترات الصمت الطويلة بينها وبين زوجها وتتجنَّب شعور الغُربة بينها وبين زوجها، فتصنع أوقاتًا للصفاء في البيت وخارجه، في نزهات لطيفة، يسترجعان فيها أجمل الذكريات ويجدِّدان الودّ.
14- تجدِّد وتتفنَّن في إسعاد زوجها والبحث عمَّا يحبُّ، مظهرًا، وهمسًا، وسلوكًا، وتفعل كل ما يُحبه ويُرضيه خلال العلاقة الخاصة بينهما.
15- وحين يجلسان معًا جلسة صافية ليتسامرا أو يشاهدا التليفزيون أو يناقشا أمرًا.. فإن مكانها دومًا بجانبه على الأريكة ولا يفصل بينهما سنتيمترٌ واحدٌ.