![]() |
|
د. منال أبو حسن |
الحوار مع الآخر أم الحوار الإسلامي- المسيحي أم الحوار العربي- الأوروبي أم حوار الشمال والجنوب.. مصطلح "الحوار" لم يُدرَج في القانون الدولي ولا في ميثاق الأمم المتحدة ولا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. هذا في الوقت الذي نجده بكل ما يعنيه من معانٍ في الثقافة الإسلامية والنبع القرآني القيم.
ففي اللغة العربية نجد العقل من معانيه الحوار، وهو يميزه بصفة العقلانية والبعد عن الهوى، والتحاور هو التجاوب وهو ما يعطيه ميزة الإيجابية، والمحاورة المراجعة وهو ما يعطيه صفة المرونة، وفي سورة المجادلة جاء لفظ التحاور في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِيْ تُجَادِلُكَ فِيْ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ﴾ (1)، والحوار في هذه الآية بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- وامرأة في أمر خاص بعلاقة بينها وبين زوجها ومرتبط بعادة جاهلية، تتمثل في قسم الزوج على زوجته بأنها عليه كظهر أمه بما يفصلها عنه، وقد كانت الزوجة حريصةً على زوجها مع كبر سنه وفقره وسوء خلقه، فجاءت لتشتكي من أجل الوصول إلى حلِّ والحفاظ على أسرتها وزوجها، فالأمر فعلاً عقلانيٌّ بمعنى الكلمة.
لقد أمرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن تتقي الله في زوجها، ولكن عندما جاء حكم الله أبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم الله فيه، ووجدت الزوجة أنه لا يستطيع قضاء الأحكام الواجبة عليه، فهو لا يستطيع عتق رقبة، وهو شيخ لا يستطيع الصوم، وليس عنده ما يتصدق به، فتطوعت من مالها للتصدق عنه، لقد اشترت زوجها واشترت بيتها وأسرتها، وكان من ثمرة هذا الحوار القضاء على عادة جاهلية وتحريمها، واعتبارها حكمَ زورٍ لا يفصل بين الزوجين ويكلف الزوج بالتكفير عنه.
وقد يذكرنا هذا الموقف في أيامنا بما يقع بين الأزواج من رمْي يمين الطلاق والحلف به والتوعد للزوجة من خلاله لكفِّها عن عمل معين أو لأمرها بعمل آخر، ونسمعها في الأسواق الشعبية، وقد تعترض بعض الزوجات وتخشى من وقوع اليمين، وقد يخشى بعض الأزواج ويبحث عمَّن يحلِّل له زوجه بالتكفير عن ذنبه أو بفتوى بعدم وقوعه.
إن كثيرًا من المشكلات الزوجية تحدث لعدم ممارسة الحوار وإعمال العقل بيننا، وقد يجد بعض الأزواج أن المرأة غير جديرة بالحوار لأنها ناقصة عقل ودين!! وذلك من سوء فهم للدين، فربما كانت الآية السابقة حجةً عليه، فالمرأة جديرة بالحوار في كل قضاياها وهي أوعى بها، وجديرة بممارسته مع أعلى مستويات الدولة، وجديرة بالوصول من خلاله لحلول جذرية لقضايا خلافية قومية.
أما الزوج فهو من أكثر الأطراف أهميةً لموضوع الحوار في عصرٍ ظهرت فيه أمراضٌ لم تكن موجودة من قبل، كالخرس الزوجي، وزهد الأزواج في زوجاتهم، والطلاق العاطفي.. وهو ما ساعدت على ظهورها تكنولوجيا الاتصالات الحديثة، والذي يجعل الزوجين منفصلين وهم في مكان واحد.
الزوج مع زوجه يحتاجان للحوار فليس بالقلب تُحَل الأمور، وليس بالعين وحدها نفهم مشاعرنا، وليس بالمال وحده تسير الحياة، ولا بالموبايل تطمئن قلوبنا، ذلك لأنه عند اعتباره الأصل يضيع علينا المكان والزمان وود اللقاء، وتنتصر الأذن عما عداها من حواس فلا يكتمل الاتصال، ناهيك عن ضياع المال في أمور كان من الأفضل أن تتم بدونه.
ما الذي يمنع من الحوار؟! لا يوجد وقت.. مشغول جدًّا.. عندي ميعاد.. في وقت آخر.. لما أرجع.. غدًا إن شاء الله.. عندما أنتهي من الشغل, هذه إجابات لغلق باب الحوار بين الزوجين، فهل نحن معذورون أم مضطَّرون أم مشغولون بالفعل، أم أصبحت عادة التسويف في أمورنا جميع
