﴿مَنْ ذَا الَّذِيْ يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيْرَةً﴾ (البقرة: من الآية 245).
سافر وأسرته إلى لندن، وهناك كان عليه أن يغيِّر مكان عمله كل ستة أشهر كما هو متَّبَع في الوقت الحاضر.

 

وكان الأمر يسير بشكل موفَّق، إلى أن جاء اليوم الذي تكالبت عليه فيه كلُّ هموم الحياة؛ فقد التحقت ابنتاه بالجامعة في لندن، وما أدراك ما مصاريف الجامعة، وكان التوقيت في وقت تغيير العمل؛ فتقدم إلى الوظائف المعلَنة كعادته، ولم يعلم ما يخبِّئه له القدر؛ حيث توالت المقابلات والنتيجة واحدة: "عدم القبول"!!

 

لم يصدق أذنيه في أول الأمر، ثم اعتاد على سماع نفس النغمة النشاز، والبيت يطالبه بمصاريفه، والزوجة والبنات.. يا إلهي!! هكذا هتف، التوقيت حرِج جدًّا!!

 

وتلألأ الأمل في نفسه عندما قرأ عن طلب مقابلة لوظيفة مناسبة له تمامًا، فألحَّ على الله في الدعاء، ثم ألحَّ في الدعاء، فلم يبقَ وقتٌ، والعجلة السريعة للحياة تكاد أن تفتك به، وذهب إلى المقابلة، والأمل يسبقه مشفوعًا بالدعاء، ولديه شبه يقين بالقبول؛ فإذا به الرفض!!

 

شعر وكأن الأرض تَميدُ به، وفي طريق عودته كان يشعر بحسْرَةٍ تحيط به من كل جانب، فكيف يخبر زوجته؟ وماذا سيقول لبناته الفَرِحَات بدخول الجامعة؟! وأخذت الأفكار تتسلَّط عليه من كل فوج وَجِهَة؛ ظلمات بعضها فوق بعض، من أين يقترض؟ وكيف يمكنه السداد؟ ومن سيوافق أن يقرضه في لندن حتى لاحَ شعاعٌ من النور يذكِّره بقول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (البقرة: من الآية 245)، كما نظر إلى السماء وقال: ربي، ليس لي سواك، فقد تقطَّعَت بي كلُّ السبل.

 

دس يده في جيبه.. فوجد مبلغًا من المال.. وتذكر هذا الطالب الذي جاء مؤخَّرًا من بلده، ولا يملك أي شيء.. ترى كيف حاله؟!! أخذ على الفور وسيلةً أخرى من المواصلات واتجه صوب حجرته التي يقطنها، وطرق الباب، وفي وجدانه وشعوره أنه يطرق باب الرحمن ليقترض منه، فتح له الطالب فوجده شاحِبَ الوجه، وكانت حجرته تنبِئُ بحاله، ولم يزين كلماته، بل أسرع بمناولة المبلغ له، قائلاً: لعلها "النواة التي تسند الزير".

 

نظر الطالب بدهشة: سبحان الله.. لقد سمعني؟ وكيف لا وهو السميع البصير!! ولكن بهذه السرعة، لقد كنت أستغيث به بضراعةٍ فورًا حالاً، فلي ثلاثة أيام لم أتناول وجبة طعام، فقد تأخر المبلغ المرسَل لي من بلدي، بل تأخَّر كثيرًا.. إني أشكرك.. بل أشكر من أرسلك وخرَّ الشابّ ساجدًا لله، وتبعه الرجل في السجود، وكان منظرًا مهيبًا!!

 

شعر صاحبنا براحة وسكينة وهو يدير مفتاح منزله، وقد رفع الله عنه حمله وأبدل همَّه بطمأنينةٍ وثقةٍ في وعد الله، جلس على مائدة الطعام فبادرتْهُ زوجتُه بالسؤال الذي كان يخشاه من قَبْل: ماذا كانت نتيجة المقابلة؟ فردَّ: اقترضت، قالت بشكل عفوي: مِن مَن، ونحن في الغربة ولا يعرفنا أحدهم المعرفة التي يوافق أن يقرضَنا على أساسها؟! قال: بل اقترضت ممن يعرفنا حتى قبل أن نأتي، اقترضت من الله..!!

 

بمجرد استماعها لهذا الاسم المعجِز في هيمنته على سويداء القلوب، قالت: ونعم بالله.. روى لها ما حدث وما كان؛ حتى نفقته لما كان يملك حينئذٍ فلم تتوتَّر أو تحتَجّ، ولكن قالت إن وثقت في وعد الله فسينجز لك وعدَه لا محالة، وشرد الاثنان في فضل الله، تُرَى كَمْ سيكون مقدارُ هذه الأضعاف الكثيرة؟!

 

ونتركهم لنتساءل: كم منا أنفق في سبيل الله فأخلف سبحانه عليه؟ وكيف أن الله بالفعل عند حسن ظن عبده، فصاحِبُنا الآن في وظيفة مرموقة لم يكن يحلم بها، وبناته قد دفع الله لهم مصاريف الجامعة، وانتقل إلى شقة أكبر وأوسع، واشترى سيارةً يسَّرت على الأسرة أمرَ المواصلات، وصدقتَ يا رحمن.. ضاعفت المقرض والمقترض.. وقد أفاد بها، هنيئًا له وعقبى لنا جميعًا.