رمضان شهر القرآن، ونحن في كل وقت وحين في رمضان نرى الرجال في أيديهم مصاحف في كل مكان.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وذهاب غمنا، واجعله شاهدًا لنا لا شاهدًا علينا، ندعوه أن نرى تلك اللوحة الجميل للمسلمين في غير رمضان.. اللهم آمين.
واعلمي حبيبتي أنه كلما كان قلبك معلقًا بالله عز وجل كان تعلقك بالقرآن الكريم أقوى؛ لأنه كلام الله ودستور الأمة.
تعالَي معي نرى كيف يرقق القرآن القلب: ذهب رجل إلى معلمه وقال: لا أستطيع أن أقرأ القرآن، أجد في قلبي قسوة.
قال المعلم: اذهب فاقرأ، فكرَّر التلميذ أنه لا يستطيع، وفي كل مرة يقول المعلم: اذهب واقرأ كمثل: "فإذا لم تبكوا فتباكوا"، حتى تشعر باللذة وقرة العين وأنت تقرأ، وهكذا فعل التلميذ حتى شعر بتلك اللذة والحب للقرآن.
فالقرآن له أثر عظيم على جوارح العباد؛ فلقد أسلمت امرأة مكسيكية بمجرد سماع سورة مريم وهي لا تعلم العربية، وقالت إنها كانت منصِّرة، ولكنها وجدت الحق في القرآن الكريم، وكذا زوجها؛ ليس له دين، فلما أسلمت قال لها: أسمعيني القرآن دائمًا؛ فهو يجعلني سعيدًا مستقرَّ النفس هادئًا.
قال تعالى:﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: من الآية 28).
وإليكِ قصة سلة الفحم لنرى كيف يؤثر القرآن في الجوارح:
كان رجل يعيش في مزرعة في إحدى الجبال مع حفيده، وكان الجد يقرأ القرآن في الصباح الباكر، فأراد الولد أن يفعل مثل جده، وفي يومٍ سأل الحفيد جدَّه: إنني كلما حاولت أن أقرأ القرآن لأفهمه، وإذا فهمته نسيته بمجرد غلق المصحف.. فما فائدة قراءته القرآن إذن؟!".
وكان الجد يضع بعض الفحم في المدفأة فترك ما يفعله وأعطى سلة الفحم للولد، وقال: "اذهب بها إلى النهر وأملأها بالماء"، ففعل الولد ما أمره جده وتسرَّب الماء من السلة قبل وصوله للبيت، فابتسم الجد قائلاً: "عليك أن تسرع المرة القادمة".
فحاول الولد ولكنه غضب وقال: "من المستحيل أن آتيَك بالسلة بها ماء، سأملأ لك الدلو"، فقال الجد: "لم أطلب الدلو بل السلة"، وكرر الولد مرة أخرى، وقال لجده: "إنه لا فائدة من ذلك"، فقال الجد: "انظر إلى السلة".
فأدرك الولد أنها أصبحت مختلفة، فأصبحت نظيفة من الداخل والخارج تمامًا مثل ما يحدث عندما تقرأ القرآن؛ فقد لا تفهم بعضه أو تنسى ما فهمت أو حفظت، ولكنك سوف تتغير من الداخل والخارج للأفضل تمامًا مثل السلة.
ونرى مشهد الكفار وهو يضعون أصابعهم في آذانهم ويغمضوا أعينهم حتى لا يتأثروا بالقرآن.
هيا حبيبتي نقرأ القرآن كأنا نقرؤه على الله عزك وجل، ومع تلك الحادثة لنرى ماذا سوف يكون شكل قراءتنا وطريقتها.
حيث ورد في الأثر أن الإمام أحمد بن حنبل بلغه أن أحد تلاميذه يقوم الليل كل ليلة ويختم القرآن كاملاً حتى الفجر، فأراد الإمام أن يعلمه كيفية تدبر القرآن، فأتى إليه وقال: بلغني أنك تفعل كذا وكذا، فقال: نعم يا إمام، فقال له: اذهب اليوم قم الليل كما كنت تفعل، ولكن اقرأ القرآن وكانت تقرؤه عليَّ- أي كأني أراقب قراءتك- ثم أبلغني غدًا.
فأتى التلميذ في اليوم والتالي وسأله الإمام فأجاب: لم اقرأ سوى عشرة أجزاء، فقال الإمام: اذهب واقرأ وكأنك تقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فذهب ثم جاءه اليوم التالي: يا إمام لم أكمل حتى جزء عم كاملاً، فقال له الإمام: "إذن اذهب اليوم وكأنك تقرأ القرآن على الله عز وجل.
فدهش التلميذ ثم جاء الإمام في اليوم التالي دامعًا عليه آثار السهاد الشديد فسأله الإمام: كيف فعلت يا ولدي؟، فأجاب التلميذ باكيًا: يا إمام.. والله لم أكمل الفاتحة طوال الليل.
فهيا جميعًا نقرأ القرآن وكأننا نقرؤه على الله عز وجل.
وأهمس في أذنك حبيبتي أن الله بهذا الشهر الجليل يعوِّدنا على الطاعة بالتَكرار بنفس الطريقة حتى تتحول العبادة إلى عادة.
وفي تجربةٍ أجريت على عينات عشوائية من الناس في أعمار مختلفة وظروف مختلفة، وجدوا أن العادة تثبت بعد تَكرارها عشرة أيام.
وها هو شهر رمضان؛ حيث التعود على الصيام والقيام وقراءة القرآن ثلاثين يومًا، فهيا أيضًا نحول العبادة إلى عادة لا ننفك عنها.
"فالصيام جنة" "والقيام شرف المؤمن" "والقرآن شفيع لنا يوم القيامة"، فما أحوجنا إلى الثلاث مثلث الخير الشامل الجامع!.
وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وعلى طاعته أدوم.