أحزان كثيرة
خطبت لابن عمها عبد الله بن الحسن، وكانت سعيدةً به، وفي قلبها بوادر ألفة ومحبة تتولد.
وما إن أطلَّت الفرحة برأسها حتى بدأ عهد الأحزان يعود.. لقد قتل عبد الله في الطائف، وعادت أحزانها وجراحها الخائرة في صدرها تنكأ من جديد، وتذكرت والدها الحبيب، وعادت بها الذكريات إلى الماضي.
كانت في طفولتها مرحةً وظريفةً حتى إنها كانت مبعث أُنس لأبيها الحسين بن علي رضي الله عنهما، فكانت ترفِّه عنه وتنسيه ظروفه العصيبة التي كانت تواجهه.
وكان يحبها وأمها كثيرًا ويلازمهما، ويقضي معهما وقتًا طويلاً ويغدق عليها من ماله فكانت أسرةً سعيدةً بمعنى الكلمة ترفرف عليها السعادة والحب، ولا تنافي الدنيا؛ فإن السعادة لا تدوم.. قال تعالى ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (44)﴾ (النور).
فرحلت سكينة رضي الله عنها مع أبيها وأمها وإخوتها وأعمامها وأنصار الحسين إلى كربلاء، وشهدت سكينة مذبحةً مروِّعةً كان على رأس الشهداء فيها أبوها الحبيب.
وترى أمها الوفية الرباب ترفض الزواج من بعده، ولها ما يبرر موقفها بقوة، قالت: ما كنت أتخذ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حما!!، وهل سيحبها أحد كما أحبها الحسين رضي الله عنه؟ أما هي فقد خطبها ابن عمها عبد الله بن الحسن، وما إن لاحت بوادر الفرحة حتى قُتل عبد الله في الطائف وتتجرَّع سكينة آلامًا جديدةً.
كرم الله
أحيانًا يصاب المرء بصدمة عنيفة، فيظن أنها نهاية العالم، لكن الله الكريم يأبى إلا أن يعوِّض المؤمن خيرًا وقرة عين في الدنيا قبل الآخرة.

فالمؤمن صابر راضٍ بقضاء الله لا يقلق على مستقبله فهو بين يدي الله عز وجل، كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك غلبة الدين وقهر الرجال".
عودة السعادة
وبعد فترة يأتي مصعب بن الزبير، وكان جوادًا ذا مال ومروءة حتى قيل عنه: "لو أن مصعب بن الزبير وجد أن الماء ينقص من مروءته ما شربه".
وقد بلغ من مروءته أن قريبةً له طلَّقها زوجها يوم عرسها فجاء أبوها مستغيثًا بأبناء عمومته ليُثبتوا للجميع شرفها فتزوجها مصعب في ذلك اليوم.
وما بال سكينة لا تفكر جيدًا في ذلك الشاب، وقد قال عنه خصمه عبد الملك بن مروان: متى تغذو نساء قريش مثلك؟!
وقد كان وسيما حتى قال الشاعر جميل بن عمر عنه: "ما رأيت مصعبًا يختال بالبلاط (موضع بالمدينة بين المسجد النبوي وسوق المدينة) إلا غرت على بثينة وبينهما المسافة بينهما ثلاثة أيام".
فكان صعبًا على سكينة أن ترفض مثل هذه الزيجة، فتزوجته وأحبته، وسعدت معه وأسعدته، وهي تشعر أن القدر قد بدأ يعوضها خيرًا عما فاتها.
قدر محتوم
ولكن أين تفر من قدرها المحتوم؟ لقد قُتل مصعب!!، لقد فُجعت في زوجها وحبيبها، لقد تجددت أحزانها؛ فها فهو شريط المصائب يمر أمام عينيها.. أبوها الحبيب وأعمامها وأبناء عمومتها وابن عمها، وأخيرًا زوجها الحبيب ذو المروءة والشجاعة والكرم.
نهاية الأحزان
لكن الله تعالى يعلِّمنا كيف ننسى الأحزان، ويطلب منا أن ننظر دائمًا إلى الأمام، يقول تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)﴾ (آل عمران: من الآية 153).
يطلب الله منا أن نعيش الواقع بمره وحلوه، ولا ندع الأحزان تستغرقنا وتُنهي حياتنا بالكآبة، فما إن تنقض عدتها حتى تتزوَّج من عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، سليل الإشراف، وتسعد معه، وتنجب له ثلاثة أبناء.
أفراح وأحزان
وهكذا الدنيا لا حزن يدوم، ولا سعادة تستقر، هذا ما أكدته لنا بطلة قصتنا، التي عاشت أحداثًا كثيرةً مؤلمةً وأحزانًا قاتلةً وهمومًا وقلقًا، لكنها بفضل إيمانها القوي بالله تماسكت وتناست أحزانها وودَّعت هموم الحياة؛ لأنها تعرف أن السعادة في الدنيا قليلة إذا ما قورنت بالآخرة.
هذه في الحياة أحزان وأفراح، فلا تستغرقك الأحزان بأكثر من قدرها، ولا تقلق على الغد، واسمع لأحد السلف يقول:
يا ابن آدم، إنما أنت ثلاثة أيام، أمسك وقد ولَّى، وغدك ولم يأتِ، ويومك فاتق الله فيه، فأكثِر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، وقل: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.